تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
أخبارهم . وأمّا الرّجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكلّ يوم .

[ التسول ، والعلوم والآداب في الأندلس ]

وأما طريقة الفقراء على مذهب أهل الشرق في الدّورة « 1 » التي تكسل عن الكدّ وتخرج « 2 » الوجوه للطلب في الأسواق فمستقبحة عندهم إلى النهاية « 3 » ، وإذا رأوا شخصا صحيحا قادرا على الخدمة يطلب سبّوه وأهانوه ، فضلا عن أن يتصدّقوا عليه ، فلا تجد بالأندلس سائلا إلّا أن يكون صاحب عذر . وأما حال أهل الأندلس في فنون العلوم ، فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميّز ، فالجاهل الذي لم يوفّقه اللّه للعلم يجهد أن يتميز بصنعة ، ويربأ بنفسه « 4 » أن يرى فارغا عالة على الناس ؛ لأنّ هذا عندهم في نهاية القبح ، والعالم عندهم معظّم من الخاصّة والعامّة ، يشار إليه ، ويحال عليه ، وينبه قدره وذكره عند الناس ، ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة ، وما أشبه ذلك . ومع هذا فليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم ، بل يقرءون جميع العلوم في المساجد بأجرة ، فهم يقرءون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريا ، فالعالم منهم بارع ؛ لأنه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه ، وينفق من عنده حتى يعلم ، وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء ، إلّا الفلسفة والتنجيم ، فإنّ لهما حظّا عظيما عند خواصّهم ، ولا يتظاهر بها « 5 » خوف العامّة ، فإنه كلّما قيل « فلان يقرأ الفلسفة » أو « يشتغل بالتنجيم » أطلقت عليه العامّة اسم زنديق ، وقيّدت عليه أنفاسه ، فإن زلّ في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان ، أو يقتله السلطان تقرّبا لقلوب العامّة ، وكثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت ، وبذلك تقرّب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه وإن كان غير خال من الاشتغال بذلك في الباطن على ما ذكره الحجاري واللّه أعلم . وقراءة القرآن بالسبع ورواية الحديث عندهم رفيعة ، وللفقه رونق ووجاهة ، ولا مذهب لهم إلّا مذهب مالك ، وخواصّهم يحفظون من سائر المذاهب ما يباحثون به بمحاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم . وسمة الفقيه عندهم جليلة ، حتى إن المسلمين « 6 » كانوا يسمّون الأمير العظيم منهم الذي يريدون تنويهه بالفقيه ، وهي الآن بالمغرب بمنزلة القاضي بالمشرق ، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيه ؛ لأنها عندهم أرفع السّمات .
هامش
( 1 ) في ب : الدّروزة . ( 2 ) في ب : وتحوج . ( 3 ) في ب : نهاية . ( 4 ) يربأ بنفسه : يترفع بها . ( 5 ) في ب : بهما . ( 6 ) في ب : الملثمين .