تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
أمور يضحك السفهاء منها * ويبكي من عواقبها الحليم
فآل ذلك إلى تلف القواعد العظيمة ، وتملّك الأمصار الجليلة ، وخروجها من يد الإسلام والضابط فيما يقال في شأن أهل الأندلس في السلطان أنهم إذا وجدوا فارسا يبرع الفرسان « 1 » أو جوادا يبرع الأجواد تهافتوا « 2 » في نصرته ، ونصبوه ملكا من غير تدبير في عاقبة الأمر إلام يؤول « 3 » ، وبعد أن يكون الملك في مملكة قد توورثت وتدوولت ، ويكون في تلك المملكة قائد من قوّادها قد شهرت عنه وقائع في العدوّ وظهر منه كرم نفس للأجناد ومراعاة ، قدّموه ملكا في حصن من الحصون ، ورفضوا عيالهم وأولادهم - إن كان لهم ذلك - بكرسيّ الملك ، ولم يزالوا في جهاد وإتلاف أنفس حتى يظفر صاحبهم بطلبته . وأهل المشرق أصوب رأيا منهم في مراعاة نظام الملك ، والمحافظة على نصابه ، لئلّا يدخل الخلل الذي يقضي باختلال القواعد وفساد التربية وحلّ الأوضاع . ونحن نمثّل في ذلك بما شاهدناه : لمّا كانت هذه الفتنة الأخيرة بالأندلس تمخّضت عن رجل من حصن يقال له أرجونة « 4 » ، ويعرف الرجل بابن الأحمر ، كان يكثر مغاورة العدوّ من حصنه ، وظهرت له مخايل وشواهد على الشجاعة ، إلى أن طار « 5 » اسمه في الأندلس ، وآل ذلك إلى أن قدّمه أهل حصنه على أنفسهم ، ثم نهض فملك قرطبة العظمى ، وملك إشبيلية ، وقتل ملكها الباجيّ ، وملك جيّان أحصن بلد بالأندلس وأجلّه قدرا في الامتناع ، وملك غرناطة ومالقة ، وسمّوه بأمير المسلمين ، فهو الآن المشار إليه بالأندلس والمعتمد عليه .

[ الوزارة في الأندلس ]

وأمّا قاعدة الوزارة بالأندلس ، فإنها كانت في مدة بني أمية مشتركة في جماعة يعيّنهم صاحب الدولة للإعانة والمشاورة ، ويخصّهم بالمجالسة ، ويختار منهم شخصا لمكان النائب المعروف بالوزير فيسمّيه بالحاجب ، وكانت هذه المراتب لضبطها عندهم كالمتوارثة في البيوت المعلومة لذلك ، إلى أن كانت ملوك الطوائف ، فكان الملك منهم - لعظم اسم الحاجب في الدولة المروانية ، وأنه كان نائبا عن خليفتهم - يسمّى بالحاجب ، ويرى أنّ هذه السمة أعظم ما تنوفس فيه وظفر به ، وهي موجودة في أمداح شعرائهم وتواريخهم . وصار اسم الوزارة عامّا لكلّ من يجالس الملوك ويختصّ بهم ، وصار الوزير الذي ينوب عن الملك يعرف بذي
هامش
( 1 ) يبرع الفرسان : يفوتهم ويغلبهم . ( 2 ) تهافتوا : تتابعوا . ( 3 ) في ب : آل الأمر إلى ما يؤول إليه . ( 4 ) أرجونة : مدينة ، أو قلعة بالأندلس إليها ينسب محمد بن يوسف بن الأحمر الأرجوني ، من متأخري سلاطين الأندلس ( صفة جزيرة الأندلس ص 12 ) ( 5 ) في ب : سار .