وذكر ابن بشكوال أن جباية الأندلس بلغت في مدّة عبد الرحمن الناصر خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألفا ، من السوق ، والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار .
ثم قال ابن حوقل : ومن أعجب ما في هذه الجزيرة بقاؤها على من هي في يده مع صغر أحلام أهلها ، وضعة نفوسهم ، ونقص عقولهم ، وبعدهم من البأس والشجاعة والفروسية والبسالة ، ولقاء الرجال ، ومراس الأنجاد والأبطال ، مع علم أمير المؤمنين بمحلّها في نفسها ومقدار جباياتها ومواقع نعمها ولذّاتها .
قال علي بن سعيد مكمل هذا الكتاب : لم أر بدّا من إثبات هذا الفصل وإن كان على أهل بلدي فيه من الظلم والتعصّب ما لا يخفى ، ولسان الحال في الردّ أنطق من لسان البلاغة ، وليت شعري إذا سلب أهل هذه الجزيرة العقول والآراء والهمم والشجاعة فمن الذين دبّروها بآرائهم وعقولهم مع مراصدة أعدائها المجاورين لها من خمسمائة سنة ونيّف ؟ ومن الذين حموها ببسالتهم من الأمم المتّصلة بهم في داخلها وخارجها نحو ثلاثة أشهر على كلمة واحدة في نصرة الصليب ؟ وإني لأعجب منه إذ كان في زمان قد دلفت « 1 » فيه عبّاد الصليب إلى الشام والجزيرة وعاثوا كل العيث في بلاد الشام ، حيث الجمهور والقبة العظمى ، حتى أنهم دخلوا مدينة حلب ، وما أدراك ؟ وفعلوا فيها ما فعلوا ، وبلاد الإسلام متصلة بها من كل جهة ، إلى غير ذلك مما هو مسطور في كتب التواريخ ، ومن أعظم ذلك وأشدّه أنهم كانوا يتغلّبون على الحصن من حصون الإسلام التي يتمكّنون بها من بسائط بلادهم ، فيسبون ويأسرون ، فلا تجتمع همم الملوك المجاورة على حسم الداء في ذلك ، وقد يستعين به بعضهم على بعض ، فيتمكّن من ذلك الداء الذي لا يطبّ « 2 » ، وقد كانت جزيرة الأندلس في ذلك الزمان بالضدّ من البلاد التي ترك وراء ظهره ، وذلك موجود في تاريخ ابن حيّان وغيره ، وإنما كانت الفتنة بعد ذلك ، الأعلام بيّنة ، والطريق واضح .
[ لمحة من تاريخ الحكم في الأندلس منذ الفتح ]
فلنرجع إلى ما نحن بسبيله : كانت سلطنة الأندلس في صدر الفتح على ما تقدّم من اختلاف الولاة عليها من سلاطين إفريقية ، واختلاف الولاة داع إلى الاضطراب ، وعدم تأثّل « 3 »
هامش
( 1 ) دلفت : مشت مشيا فيه هينة وتؤدة .
( 2 ) لا يطبّ : لا يعالج .
( 3 ) تأثلت الأحوال : استقرت وتثبتت .