فقالت بلنسية : فيم الجدال والقراع ؟ وعلام الاستهام والاقتراع ؟ وإلام التعريض والتصريح ؟ وتحت الرّغوة اللبن الصريح ، أنا أحوزه من دونكم ، فأخمدوا ناري تحرككم وهدوئكم ، فلي المحاسن الشامخة الأعلام ، والجنّات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام ، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام ، فأجمعوا على الانقياد لي والسلام ، وإلّا فعضّوا بنانا ، واقرعوا أسنانا ، فأنا حيث لا تدركون وأنّى ، ومولانا لا يهلكنا بما فعل السفهاء منّا .
فعند ذلك ارتمت جمرة تدمير بالشّرار ، واشتدّت « 1 » أسهمها لنحور الشّرار ، وقالت : عش رجبا ، ترعجبا ، أبعد العصيان والعقوق ، تتهيّأن « 2 » لرتب ذوي الحقوق ؟ هذه سماء الفخر فمن ضمّنك « 3 » أن تعرجي ، ليس بعشّك فادرجي ، لك الوصب والخبل ،
آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ
[ يونس : 91 ] .
أيتها الصانعة الفاعلة ، من أدراك أن تضربي وما أنت فاعلة « 4 » ؟ ما الذي يجديك الروض والزّهر ؟
أم ما يفيدك الجدول والنهر ؟ وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر ؟ هل أنت إلّا محطّ رحل النفاق ، ومنزل ما لسوق الخصب فيه من نفاق ؟ ذراك لا يكتحل الطرف فيه بهجوع ، وقراك لا يسمن ولا يغني من جوع ، فإلام تبرز الإماء في منصّة العقائل ؟ ولكن اذكري قول القائل : [ الطويل ]
بلنسية بيني عن القلب سلوة * فإنّك روض لا أحنّ لزهرك
وكيف يحبّ المرء دارا تقسّمت * على صارمي جوع وفتنة مشرك ؟
بيد أني أسأل اللّه تعالى أن يوقد من توفيقك ما خمد ، ويسيل من تسديدك ما جمد ، ولا يطيل عليك في الجهالة الأمد ، وإيّاه سبحانه نسأل أن يردّ سيدنا ومولانا إلى أفضل عوائده ، ويجعل مصائب أعدائه من فوائده ، ويمكّن حسامه من رقاب المشغّبين ، ويبقيه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين ، ويصل له تأييدا وتأبيدا ، ويمهّد له الأيام حتى تكون الأحرار لعبيد عبيده عبيدا ، ويمدّ على الدنيا سعده ، ويهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده : [ البسيط ]
آمين آمين لا أرضى بواحدة * حتّى أضيف إليها ألف آمينا
ثم السلام الذي يتأنّق عبقا ونشرا ، ويتألّق رونقا وبشرا ، على حضرتهم العليّة ، ومطالع أنوارهم السنيّة « 5 » الجليّة ، ورحمة اللّه تعالى وبركاته ، انتهى .
ولما ألمّ الرحّالة ابن بطوطة في رحلته بدخوله بلاد الأندلس - أعادها اللّه تعالى للإسلام ! - قال : فوصلت إلى بلاد « 6 » الأندلس - حرسها اللّه تعالى ! - حيث الأجر موفور
هامش
( 1 ) في ب : واستدّت .
( 2 ) في ب : تتهيئين .
( 3 ) في ب : ضمّك .
( 4 ) الفاعلة الأولى : الفاجرة . والثانية : التي أحدثت الفعل .
( 5 ) السنية : سقطت في ب .
( 6 ) في ب : لبلاد الأندلس .