تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
على أفواه الأغماد ، ومن أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداءها ، ومن طوى حسن نية ختم اللّه له بالجميل إعادتها وإبداءها ، ومن قدّم صالحا فلا بدّ أن يوازيه ، ومن يفعل الخير لا يعدم جوازيه . ولمّا تخاصمت فيك من الأندلس الأمصار ، وطال بها الوقوف على حبك والاقتصار ، كلّها يفصح قولا ، ويقول : أنا أحقّ وأولى ، ويصيخ إلى إجابة دعوته ويصغي ، ويتلو إذا بشّر بك
ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ
[ الكهف : 64 ] ، تنمّرت حمص غيظا ، وكادت تفيظ فيظا « 1 » وقالت : ما لهم يزيدون وينقصون ، ويطمعون ويحرصون ،
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
[ يونس : 66 ] . ألهم « 2 » السّهم الأسدّ ، والساعد الأشدّ ، والنهر ، الذي يتعاقب عليه الجزر والمدّ ، أنا مصر الأندلس والنّيل نهري ، وسمائي « 3 » التأنّس والنجوم زهري ، إن تجاريتم في ذلك الشرف ، فحسبي أن أفيض في ذلك الشرف ، وإن تبجحتم بأشرف اللبوس ، فأي إزار اشتملتموه كشنتبوس ، لي ما شئت من أبنية رحاب ، وروض يستغني بنضرته عن السّحاب ، قد ملأت زهراتي وهادا ونجادا ، وتوشّح سيد نهري بحدائقي نجادا ، فأنا أولاكم بسيدنا الهمام وأحقّ ،
الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
[ يوسف : 51 ] . فنظرتها قرطبة شزرا ، وقالت : لقد كثّرت نزرا . وبذرت في الصخر الأصمّ بزرا ، كلام العدى ضرب من الهذيان ، وأنّى للإيضاح والبيان ، متى استحال المستقبح مستحسنا ، ومن أودع أجفان المهجور وسنا ،
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
[ فاطر : 8 ] . يا عجبا للمراكز يقدّم على الأسنّة ، وللأثفار تفضّل على الأعنّة ، إن ادّعيتم سبقا ، فما عند اللّه خير وأبقى ، لي البيت المطهر الشريف ، والاسم الذي ضرب عليه رواقه التعريف ، في بقيعي محل الرجال الأفاضل ، فليرغم أنف المناضل ، وفي جامعي مشاهد ليلة القدر ، فحسبي من نباهة القدر ، فما لأحد أن يستأثر عليّ بهذا السيد الأعلى ، ولا أرضى « 4 » له أن يوطئ غير ترابي نعلا ، فأقرّوا لي بالأبوّة ، وانقادوا لي على حكم النبوّة ،
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
[ النحل : 92 ] ، وكفّوا عن تباريكم ،
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ
[ البقرة : 54 ] . فقالت غرناطة : لي المعقل الذي يمتنع ساكنه من النجوم ، ولا تجري إلّا تحته جياد الغيث « 5 » السّجوم ، فلا يلحقني من معاند ضرر ولا حيف ، ولا يهتدي إليّ خيال طارق ولا طيف ، فاستسلموا قولا وفعلا ، فقد أفلح اليوم من استعلى ، لي بطاح تقلّدت من جداولها
هامش
( 1 ) تنمرت غيظا : أي أصبحت كالنمر من الغيظ . وتفيظ فيظا : تموت موتا . ( 2 ) في ب : لي . ( 3 ) في ب : وسماء . ( 4 ) في ب : ولا أرتضي . ( 5 ) في ب : الغيم .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 146 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي