ويبدو ان المعتصم تنقل إلى أمكنة متعددة ، فقد أقام بالبردان ثم انتقل إلى باحمشا من الجانب الشرقي من دجلة ، ثم صار إلى المطيرة فأقام بها مدة ثم مدّ إلى القاطول ، والقاطول نهر كان في موضع سامراء قبل ان تعمر وكان الرشيد أول من حفر هذا النهر وبنى على فوهته قصرا سماه ابا الجند لكثرة ما كان يسقي من الأرضين وجعله لارزاق جنده ، وفوق هذا القاطول القاطول الكسروي ، حفره كسرى أنوشروان « 1 » . ولم تعجب ارض القاطول المعتصم وركب متصيدا فمر في مسيره حتى صار إلى موضع سر من رأى وهي صحراء من ارض الطيرهان لا عمارة بها ولا أنيس فيها إلّا دير للنصارى فوقف بالدير وكلّم من فيه من الرهبان ، وقال : ما اسم هذا الموضع ، فقال له بعض الرهبان : نجد في كتبنا المتقدمة ان هذا الموضع يسمى سرّ من رأى وانه كان في مدينة سام بن نوح وانه سيعمر بعد الدهور على يد ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن وجوههم وجوه طير الفلاة ، ينزلها وينزلها ولده . فقال : أنا واللّه ابنيها وانزلها وينزلها ولدي « 2 » .
وأمر المعتصم ببناء القصور والدور ، واستقدم المهرة من الصناع والفنيين لتشييد قصوره وبناياته وجلب أصناف الأشجار المثمرة من جميع البلدان فغرست البساتين في كل مكان ، وما انقضت سنتان أو ثلاث حتى ارتفعت القصور وأقيمت المساجد ودواوين الدولة وبنيت الدور ومدت الأسواق والشوارع وأحكمت أسوار القطائع ، وشيد فيها ثكنات لسكن 250 الف جندي واصطبلات واسعة لاستيعاب 160 الف حصان « 3 » .
ويبدو ان المعتصم بعد ان وافق على اختيار موضع سامراء ، صيّر إلى كل رجل من أصحابه بناء قصر ، فصيّر إلى خاقان عرطوج أبي الفتح بن خاقان بناء الجوسق الخاقاني ، وإلى عمر بن فرج بناء القصر المعروف
هامش
( 1 ) ياقوت - معجم البلدان ج 4 ص 16 طبعة لا يبزك .
( 2 ) اليعقوبي - البلدان ص 257 .
( 3 ) سيد أمير علي - مختصر تاريخ العرب ص 243 .