الجواد ، وكان يحيي طويل الباع في الفقه وما يمكن ان يتوصل اليه التشريع من التصور ومدى الاحكام ، وامر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان « 1 » ، ففعلوا ذلك ، وخرج أبو جعفر ، وقد بالغ أصحاب الرواية والاخبار في صغر سنه في هذا الوقت وهو أمر يناقض بلوغه المرحلة التي تؤهله للزواج - والواقع انه كان شابا ، وجلس بين المسورتين ، وجلس يحيي بن أكثم بين يديه ، وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر ، فقال قائل القوم :
- يا أمير المؤمنين ، هذا القاضي إن أذنت له ان يسأل أبا جعفر .
فأقبل يحيي بن أكثم وقال للجواد : أتأذن لي في مسألة ؟
قال أبو جعفر : سل إن شئت . . .
قال يحيي : ما تقول يا أبا جعفر أصلحك اللّه في مجرم قتل صيدا ؟
قال أبو جعفر : أقتله في حل أو حرم ؟ عالما كان المحرم أم جاهلا ؟
قتله عمدا أم خطأ ؟ حرّا كان المحرم أم عبدا ؟ صغيرا كان أم كبيرا ؟ مبتدئا بالقتل أم معيدا ؟ أمن ذوات الطير كان الصيد أم من غيره ؟ ومن صغار الصيد كان أم من كباره ؟ مصرا على ما فعل أو نادما ؟ أفي الليل كان قتله للصيد في أوكارها أم نهارا وعيانا ؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما ؟
ولقد دلت هذه الأسئلة على مبلغ تنوع الاحكام ومدى إحاطة الجواد وتغلغله في التشريع ، وقد تحدث مؤرخو هذا الخبر عن حيرة القاضي وذهوله حتى لقد بان العجز على وجهه والتلجلج على لسانه وارفض الجمع ذاهلين .
ولقد سأل المأمون بعد ذلك أبا جعفر ان يفصل له الوجوه الشرعية فيما ذكر ، فقال أبو جعفر :
هامش
( 1 ) الدست ، هو المجلس والوسادة ، والمسورة هي المتكامن الجلد .