عقوبة المخالفين الموت . وهكذا فقد تحوّلت أورشليم إلى مدينة يونانية صرفة من جميع النواحي وأقيمت حامية سورية في مدينة داود . وأنشئت في موضع حصن بيوس القديم قلعة صارت تعرف باسم قلعة عكرا أو أكرا « 1 » . وهنا أخذ الصراع بين اليهودية والإغريقية يشتد يوما بعد يوم حتى اندلعت شرارة الثورة من قرية « مودين » الواقعة على بعد عشرين ميلا من أورشليم ، حيث تزعّم الثورة « متياس » الكاهن في « مودين » هو وأولاده الخمسة . فرفض الاذعان لأوامر الملك ، ولم يكتف بذلك بل قتل الموظف المسؤول وهدم المذبح المعد لتقديم القرابين للآلهة اليونانية ، كما قتل أحد اليهود الذين امتثلوا إلى أوامر الملك . فلم يكن بعد ذلك مجال للتراجع ، فهرب « متياس » وأبناؤه الخمسة إلى الجبال وشكلوا عصابات واستعدوا للقتال كقوة محاربة ، فتمكّنوا من صد الجيش الملكي والانتصار عليه في معركة خاضوها معه عند « بيت حورون » . فأثار ذلك غضب أنطيوخس وأسرع لاتخاذ العدة للقضاء على الثورة ، فعين « ليسياس » نائبا عنه وعهد اليه بتنظيم الحملة وتوجّه إلى بلاد فارس لجمع الجزية . فاختار « ليسياس » ثلاثة من القواد الذين يعتمد عليهم وأرسلهم على رأس جيش كبير ضد يهوذا ، الّا أن القواد الثلاثة لم يحرزوا أي نجاح في مهمتهم ورجعوا مكسورين خاسري المعركة ، وفي خلال ذلك مات متياس سنة 166 ق . م . فوقع العبء على أبنائه الخمسة ، فتزعم فيهم أكبرهم وهو « يهوذا » الذي كان يسمّى « مكابوس » ، لذلك صار يعرف خلفاؤه من الزعماء بالمكابيين ، كما أطلق على عصرهم اسم العصر المكابي الذي دام حوالي القرن وربع القرن ( 166 - 37 ق . م . ) « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر ما تقدم حول حصن بيوس أو حصن صهيون .
( 2 ) ان تاريخ القسم الأول من العصر المكابي مفصل في سفري المكابيين ، الأول والثاني ، في آخر كتاب العهد القديم وتتوقف حوادثه عند نهاية عهد سمعان سنة 134 ق . م . ويتفق الباحثون والمؤرخون على أن الأحداث التاريخية المسرودة في هذين السفرين معترف بصحتها من حيث الخطوط الرئيسية العامة ، إذ جاء تاريخ يوسيفوس مؤيدا لها ، ويعتقد أن سفر المكابيين الأول -