وهاشم أول من سنّ الرحلتين لقريش ، للتجارة ، رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة ، ورحلة الصيف إلى غزة وبلاد الشام وربما بلغ أنقرة ، فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه فأصابت قريشا سنوات ذهبن بالأموال « 1 » .
وهو الذي اخذ الحلف من قيصر لقريش على أن تأتي الشام وتعود منها آمنة .
وكان أحد الأجواد الذين ضرب بهم المثل في الكرم ، وقد ذكر انه خرج مرة إلى الشام فأمر بخبز كثير فخبز له ، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة ، فهشم ذلك الخبز وشرده ونحر تلك الإبل ، ثم أمر الطهاة فطبخوا ، ثم كفأ القدور على الجفان « 2 » ، فأشبع أهل مكة ، فكان ذلك أول الحيا بعد السنة التي أصابتهم فسمي بذلك هاشما وفي ذلك قال عبد اللّه بن الزّبعري : -
عمرو العلى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف « 3 »
وقد مر ذكره في صدر هذا الجزء
ويبدو أن ما أصاب هاشما من علو المكانة وسمو المجد ، اثار حسد أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، وكان ذا مال ، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه ، فشمت به ناس من قريش فغضب ، ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة ، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ، فلم تدعه قريش وأحفظوه ، قال هاشم : فاني انافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة ، والجلاء عن مكة عشر سنين ، فرضي أمية بن عبد شمس بذلك ، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وهو جد عمرو بن الحمق ومنزله بعسفان « 4 » ، وقد قضى الكاهن لهاشم بالغلبة ، فأخذ هاشم الإبل فنحرها
هامش
( 1 ) ابن سعد : ج 1 ص 55 .
( 2 ) الجفان : جمع جفنة وهي القصعة .
( 3 ) مسنتون :
مجدبون ، وعجاف : نحاف من قلة الطعام .
( 4 ) عسفان : على بعد ستة وثلاثين ميلا من مكة ( ياقوت الحموي : معجم البلدان ) .