تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦

ب ) الباليوليت الأوسط

في هذا العصر الحجري القديم الأوسط ، وقبل نحو 000 ، 100 عام ، ظهر جنس جديد من البشر في العالم ، واكتشفت آثاره في عدة مناطق من الشرق الأدنى ، امتدت من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى العراق . ويتضح من مخلفات هذا الإنسان المادية ، ومن الهياكل العظيمة المتحجرة التي اكتشفت في المغاور ، حيث دفن موتاه ، أنه كان أكثر تطورا من سلفه منتصب القامة ، أكان في شكله الفيزيولوجي ، أم في إنجازاته الحضارية - المادية والروحية . وقد أثار اكتشافه قضايا علمية لا تزال موضوع نقاش بين العلماء ، حول علاقته بالإنسان العاقل
( Homo Sapiens )
، وكيفية ، زمان ومكان تطوره إلى المرحلة الأرقى - فيزيولوجيا وحضاريا . أثار عثور العالم الألماني يان فوهلروت
( J . Fuhlrott )
سنة 1856 م ، على هياكل عظيمة متحجرة لهذا الإنسان ضجة كبيرة في أوساط العلماء ، وخصوصا أنه جاء متزامنا مع نشر داروين كتابه « أصل الأنواع » . وكان ذلك في وادي نياندر
( Neander )
بالقرب من دوسلدورف في ألمانيا ، وعليه سمي إنسان النياندرتال
Homo - ) ( Neanderthalensis
. وتتابعت الاكتشافات ، وخمدت الضجة ، وبرز إنسان جديد ، ذو دماغ كبير نسبيا ( 1000 - 1200 سم 3 ) ووجهه مسطح وأقل بروزا إلى الأمام وحواجبه أقل كثافة من سلفه وجمجمته أكثر استدارة وجبهته أقل تراجعا وميلانا نحو الخلف ، وله ذقن شبه واضح . وأغلبية مخلفات هذا الإنسان في الشرق الأدنى وجدت في مغاور ، وقلة فقط في مواقع مكشوفة ، الأمر الذي استخلص منه العلماء أنه قد سكن المغاور وأقام فيها بصورة عامة ، وأدار حياته ، كما أدى شعائره الدينية ودفن موتاه . وفضلا عن الكمّ الكبير من بقايا هذا الإنسان التي وجدت في فلسطين بصورة خاصة ، فقد تمّ اكتشاف مثيلها في سورية : كهف الدوّارة وجرف العجلة ، ووادي عفرين ، وفي مغارة شانيدار ( جنوب كردستان ) في العراق ، ومغارة بيسيتون في غرب إيران ، ورأس الكلب وكسار عقيل في لبنان . والهياكل العظمية المتحجرة التي اكتشفت من هذا العصر في فلسطين تعتبر من اللّقى بالغة الأهمية في علم الآثار ، كونها تحمل صفات متطورة نحو الإنسان العاقل الحالي . كما أثار اكتشاف النياندرتال في مغاور فلسطين جدلا عنيفا بين العلماء ، وحاروا في مسألة علاقته بقرينه الأوروبي ، وفي أصله ومصيره . ويعود ذلك إلى أن الهياكل العظمية التي اكتشفت في فلسطين تخصّ جنسا بشريا متقدما من الناحية الفيزيولوجية عن الإنسان الذي وجدت عظامه المتحجرة في أوروبا . فهو أقرب إلى الإنسان