ههنا منقطع ، وإنّما أخيّط جمعتي حتى أجمع ثمن راوية . فقال له : والماء عندكم هاهنا معوز ؟
فقال : نعم .
فمضى أحمد بن طولون . فلمّا حصل في داره قال : جيئوني السّاعة «
a
» بخيّاط في مسجد الأقدام ، فما كان بأسرع من أن جاءوا به . فلمّا رآه قال : سرّ مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء ، وهذه ألف دينار خذها .
وابتدأ في الإنفاق ، وأجرى على الخيّاط في كلّ شهر عشرة دنانير ، وقال له : بشّرني ساعة يجري الماء فيها . فجدّوا في العمل ، فلمّا جرى الماء أتاه مبشّرا ، فخلع عليه وحمله ، واشترى له دارا يسكنها ، وأجرى عليه الرّزق السّنيّ الدّارّ .
وكان قد أشير عليه بأن يجري الماء من عين أبي خليد المعروفة بالنعش . فقال : هذه العين لا تعرف أبدا إلّا بأبي خليد ، وإنّي أريد أن أستنبط بئرا . فعدل عن العين إلى الشّرق ، فاستنبط بئره هذه ، وبنى عليها القناطر ، وأجرى الماء إلى الفسقيّة التي بقرب درب سالم « 1 » .
وقال جامع « السّيرة الطولونيّة » : وأمّا رغبته في أبواب الخير فكانت ظاهرة بيّنة واضحة . فمن ذلك : بناء الجامع والبيمارستان ، ثم العين التي بناها بالمعافر «
b
» ، وبناها بنيّة صحيحة ورغبة قويّة ، حتى إنها ليس لها نظير ، ولهذا اجتهد الماذرائيّون وأنفقوا الأموال الخطيرة ليحكوها ، فأعجزهم ذلك ، لأنّها وقعت في موضع جيرانه كلّهم محتاجون إليها . وهي مفتوحة طول النهار لمن كشف وجهه للأخذ منها ، ولمن كان له غلام أو جارية ، والليل للفقراء والمساكين فهي جباة ومعونة . واتّخذ لها مستغلّا فيه فضل وكفاية لمصالحها .
والذي تولّى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصرانيّ ، حسن الهندسة حاذق بها ، وأنه دخل إلى أحمد بن طولون في عشيّة من العشايا ، فقال له : إذا فرغت ممّا تحتاج إليه فيها «
a
» ، فأعلمني لنركب إليها لنراها «
c
» . فقال : يركب الأمير - «
d
» أيّده اللّه «
d
» - إليها في غد فقد فرغت .
هامش
(a) ساقطة من بولاق .
(b) بولاق : بالمغافر .
(c) بولاق : لتراها .
(d - d) ساقطة من بولاق .
( 1 ) ابن دقماق : الانتصار 4 : 57 - 58 .