تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
من غير استحثاث ، لكثرة ما سخا به من بذل المال . فلمّا انقطع البناء لم ير أحدّ من الصّنّاع التي كانت فيه مع كثرتها ، كأنّما هي نار صبّ عليها ماء فطفئت لوقتها . ووهب للصّنّاع مالا جزيلا ، وترك لهم جميع ما كان سلفا معهم . وبلغ مصروف هذا الحصن ثمانين ألف دينار ذهبا « 1 » . وكان ممّا حمل أحمد بن طولون على بناء الحصن أنّ الموفّق أراد أن يشغل قلبه ، فسرقت نعله من بيت حظيّة لا يدخلها إلّا ثقاته ، وبعثها الموفّق إليه ، فقال له الرّسول : من قدر على أخذ هذه النّعل من الموضع الذي تعرفه ، أليس هو بقادر على أخذ روحك ؟ فو اللّه أيّها الأمير لقد قام عليه أخذ هذه النّعل بخمسين ألف دينار ؛ فعند ذلك أمر ببناء الحصن . وقال أبو عمر الكندي في كتاب « أمراء مصر » : وتقدّم أبو أحمد الموفّق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها أماجور «
( a
» التركي . فكتب موسى بن بغا بذلك إلى أماجور «
( a
» - وهو والي دمشق يومئذ - فتوقّف لعجزه عن مقاومة أحمد بن طولون ، فخرج موسى ابن بغا فنزل الرّقّة . وبلغ ابن طولون أنّه سائر إليه ، ولم يجد بدّا من محاربته ، فأخذ أحمد بن طولون في الحذر منه ، وابتدأ في ابتناء الحصن الذي بالجزيرة التي بين الجسرين ، ورأى أن يجعله معقلا لماله وحرمه ، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائتين . واجتهد أحمد بن طولون في بناء المراكب الحربية ، وأطافها بالجزيرة ، وأظهر الامتناع من موسى بن بغا بكلّ ما قدر عليه . وأقام موسى بن بغا بالرّقّة عشرة أشهر ، وأحمد بن طولون في إحكام أموره ، واضطربت أصحاب موسى بن بغا عليه ، وضاق بهم منزلهم ، وطالبوا موسى بالمسير أو الرّجوع إلى العراق . فبينا هو كذلك توفّي موسى بن بغا في سنة أربع وستين ومائتين . وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون فيه تحامل : [ البسيط ]
لمّا ثوى ابن بغا بالرّقّتين ملا * ساقيه زرقا إلى الكعبين والعقب
بنى الجزيرة حصنا يستجنّ به * بالعسف والضّرب والصّنّاع في تعب
وراقب الجيزة القصوى فخندقها * وكاد يصعق من خوف ومن رعب
هامش
( aبولاق : ماخور . ( 1 ) البلوي : سيرة أحمد بن طولون 77 - 88 ؛ ابن سعيد : المغرب في حلى المغرب 86 - 91 ( عن ابن الدّاية ) .