تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩

الهودج -

قال ابن سعيد في كتاب « المحلّى بالأشعار » عن تاريخ القرطي «
( a
» : قد أكثر النّاس في حديث البدويّة وابن ميّاح من بني عمّها ، وما يتعلّق بذلك من ذكر الخليفة الآمر بأحكام اللّه ، حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كأحاديث البطّال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك « 1 » . والاختصار منه أن يقال : إنّ الخليفة الآمر كان قد ابتلي بعشق الجواري العربيّات ، وصارت له عيون في البوادي . فبلغه أن بالصّعيد جارية من أكمل العرب وأظرف نسائهم شاعرة جميلة . فيقال إنّه تزيّا بزيّ بداة الأعراب ، وصار يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيّها ، وبات هناك / في ضائقة ، وتحيّل حتى عاينها فما ملك صبره ، ورجع إلى مقرّ ملكه وسرير خلافته ، فأرسل إلى أهلها يخطبها ، فأجابوه إلى ذلك وزوّجوها منه . فلمّا صارت إلى القصور ، صعب عليها مفارقة ما اعتادت ، وأحبّت أن تسرح طرفها في الفضاء ، ولا تقبض نفسها تحت حيطان المدينة . فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف ب « الهودج » ، وكان على شاطئ النّيل في شكل غريب . وكان بالإسكندرية القاضي مكين الدّولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن ابن حديد ، قد استولى على أمورها ، وصار قاضيها وناظرها ، ولم يبق لأحد معه فيها كلام ، وضمن أموالها بجملة يحملها . وكان ذا مروءة عظيمة يحتذى أفعال البرامكة ، وللشّعراء فيه مدائح كثيرة ، وممّن مدحه ظافر الحدّاد ، وأميّة بن أبي الصّلت ، وجماعة . وكان الأفضل بن أمير الجيوش إذا أراد الاعتناء بأحد كتب معه كتابا إلى ابن حديد هذا ، فيغنيه بكثرة عطائه . وكان له بستان يتفرّج فيه ، به جرن كبير من رخام قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من سعته ، وكان يجد في نفسه برؤية هذا الجرن زيادة على أهل النّعم ، ويباهي به أهل عصره . فوشي به للبدويّة محبوبة الخليفة ، فطلبته من الخليفة ، فأنفذ في الحال بإحضاره .
هامش
( aبولاق : القرطبي . ( 1 ) انظر فيما تقدم 2 : 577 - 580 .