فلمّا أنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون الميدان السّلطاني ، في موضع بستان الخشّاب حيث موردة البلاط ، وتردّد إليه كثيرا ، صار لا يمرّ إليه من قلعة الجبل حتى يركب قناطر السّباع .
فتضرّر من علوّها وقال للأمراء : إنّ هذه القنطرة حين أركب إلى الميدان وأركب عليها يتألّم ظهري من علوّها . ويقال إنّه أشاع هذا ، والقصد إنّما هو كراهته لنظر أثر أحد من الملوك قبله ، وبغضه أن يذكر لأحد غيره شيء يعرف به ، وهو كلّما يمرّ بها يرى السّباع - التي هي رنك الملك الظّاهر - فأحبّ أن يزيلها لتبقى القنطرة منسوبة إليه ومعروفة به ، كما كان يفعل دائما في محو آثار من تقدّمه ، وتخليد ذكره ومعرفة الآثار به ونسبتها له .
فاستدعى الأمير / علاء الدّين عليّ بن حسن [ بن ] المرواني « 1 » ، والي القاهرة وشادّ الجهات ، وأمره بهدم قناطر السّباع وعمارتها أوسع ممّا كانت بعشرة أذرع وأقصر من ارتفاعها الأوّل . فنزل ابن المرواني وأحضر الصّنّاع ، ووقف بنفسه حتى انتهت في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مائة ، في أحسن قالب على ما هي عليه الآن ، ولم يضع سباع الحجر عليها .
هامش
صلة دقيقة بالوظيفة التي يشغلها الأمير المملوك بحيث أنّه يمكن معرفة وظيفته من خلال رنكه . يضيف القلقشندي :
« ويجعل ذلك دهانا على أبواب بيوتهم والأماكن المنسوبة إليهم كمطابخ السّكّر ، وشون الغلال ، والأملاك والمراكب وغير ذلك ؛ وعلى قماش خيولهم من جوخ ملوّن مقصوص ، ثم على قماش جمالهم من خيوط صوف ملوّنة تنقش على العبي والبلاسات ونحوها ، وربّما جعلت على السّيوف والأقواس والبركصطوانات للخيل وغيرها » ( صبح الأعشى 4 : 61 - 62 ) . ونقشت الرّنوك كذلك على العمائر الدينية وسكّت على النّقود ورسمت على الزّجاج والخشب والخزف . وأقدم رنك مؤكّد وصل إلينا هو الرّنك الخاص بالسّلطان الظّاهر بيبرس - الذي يشير إليه المقريزي هنا - وقد تأكّد في نماذج كثيرة مماثلة على العديد من منشآته التي وصلت إلينا أهمها : قناطر بحر أبي المنجّا ( فيما يلي 507 ) .
( راجع حول الرّنوك وأشكالها المختلفة دراسات ،Mayer , L . , A . , Saracenic Heraldy . A Survey , Oxford 1933 ; id . , « A New Heraldic Emblem of the Mamluks » , Ars Islamica IV ( 1937 ) , pp . 349 - 51 ; id . , « HuitL 2 objets inedits a Blasons mamluks en Grece et en ; Turquie » , Melanges Maspero III , pp . 97 - 104المقريزي : السلوك 1 : 672 ه ؛. pp , ) 2791 ( 82 KIADM » kidlareH nehcsikulmam ruZ « , . M , ekcenieM213 - 87 ; id . , « Die Bedeutung des mamlukischen Heraldik fur die Kunstgeschichte » , ZDMG XVIII Suppl . 2 ( 1974 ) , pp . 213 - 40؛ أحمد عبد الرازق : « الرّنوك على عصر سلاطين المماليك » ، المجلة التاريخية المصرية 21 ( 1974 ) ، 67 - 116 ؛Nasser Rabbat , El 2 art . Rank VII , pp . 445 - 47؛ مايكل ماينكه : « الرّنوك والفروسية في العصر المملوكي » ، كتاب فروسية 1 ، ترجمة وتحرير شهاب الصّرّاف ، 156 - 163 ) .
( 1 ) الأمير علاء الدّين علي بن الحسن بن المرواني ، تولّى ولاية القاهرة بعد سيف الدّين بلبان الحسامي ، وتوفي بعد سنة 740 ه / 1339 م . ( الصفدي : أعيان العصر 3 : 331 - 332 ) .