تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
إلّا وسرجه كما ذكرنا ، وبطل السّرج المسمّط . فلمّا كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة ، غلب على النّاس الفقر وكثرت الفتن ، فقلّت سروج الذّهب والفضّة ، وبقي منها إلى اليوم بقايا يركب بها أعيان الأمراء وأماثل المماليك .

سوق الجوخيّين

هذا السّوق يلي سوق اللّجميين ، وهو معدّ لبيع الجوخ المجلوب من بلاد الفرنج لعمل المقاعد والسّتائر وثياب السّروج وغواشيها . وأدركت النّاس وقلمّا تجد فيهم من يلبس الجوخ ، وإنّما يكون من جملة ثياب الأكابر جوخه «
( a
» لا تلبس إلّا في يوم المطر ، وإنّما يلبس الجوخ من يرد من بلاد المغرب ، والفرنج وأهل الإسكندرية وبعض عوامّ مصر ، فأمّا الرّؤساء والأكابر والأعيان فلا يكاد يوجد فيهم من يلبسه إلّا في وقت المطر . فإذا ارتفع المطر نزع الجوخة «
( a
» . وأخبرني القاضي الرّئيس تاج الدّين أبو الفداء إسماعيل بن أحمد بن عبد الوهّاب بن الخطبا المخزومي ، خال أمّي رحمه اللّه « 1 » ، قال : كنت أنوب في حسبة القاهرة عن القاضي ضياء الدّين المحتسب ، فدخلت عليه يوما وأنا لابس جوخة لها وجه صوف مربّع ، فقال لي : وكيف ترضى أن تلبس الجوخ ؟ وهل الجوخ إلّا لأجل البغلة ؟ ثم أقسم عليّ أن أخلعها . وما زال بي حتى عرّفته أنّي اشتريتها من بعض تجّار قيساريّة الفاضل ، فاستدعاه في الحال ودفعها إليه ، وأمره بإحضار ثمنها ، ثم قال لي : لا تعد إلى لبس الجوخ استهجانا له . فلمّا كانت هذه الحوادث ، وغلت الملابس ، دعت الضّرورة أهل مصر إلى ترك أشياء ممّا كانوا فيه من الرّفه «
( b
» ، وصار معظم النّاس يلبسون الجوخ ، فتجد الأمير والوزير والقاضي ، ومن دونهم ممّن ذكرنا ، لباسهم الجوخ . ولقد كان الملك النّاصر فرج ينزل أحيانا إلى الإسطبل وعليه قمجون من جوخ ، وهو ثوب قصير الكمّين والبدن يخاط من الجوخ بغير بطانة من تحته ولا غشاء من فوقه ، فتداول النّاس لبسه ، واجتلب الفرنج منه شيئا كثيرا لا توصف كثرته . ومحلّ بيعه بهذا السّوق .
هامش
( aبولاق : جوخ ، الجوخ .( bبولاق : الترفه . ( 1 ) انظر عنه فيما تقدم 160 .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 326 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد