تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
فلمّا نزلوا بلبيس تذاكر عبّاس وأسامة مصر وطيبها ، وما هم خارجون إليه من مقاساة السّفر ولقاء العدوّ ، فتأوّه عبّاس أسفا على مفارقة لذّاته بمصر ، وأخذ يثرّب على العادل بن السّلار ، فقال له أسامة : لو أردت كنت أنت سلطان مصر ؛ فقال : كيف لي بذلك ؟ قال : هذا ولدك ناصر الدّين بينه وبين الخليفة مودّة عظيمة ، فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع زوج أمّك ، فإنّه يحبّك ويكرهه ، فإذا أجابك فاقتله وصر في منزلته . فأعجب عبّاس ذلك ، وجهّز ابنه لتقرير ما أشار به أسامة ، فسار إلى القاهرة ودخلها على حين غفلة من العادل ، واجتمع بالخليفة وفاوضه فيما تقرّر ، فأجابه إليه ، ونزل إلى دار جدّته وكان من قتله للعادل عليّ بن سلار ما كان . فماج النّاس ، وسرح الطّائر من القصر إلى عباس وهو على بلبيس في الانتظار ، فقام من فوره ودخل القاهرة سحر يوم الأحد ثاني عشر المحرّم سنة ثمان وأربعين وخمس مائة ، فوجد عدّة من الأتراك قد نفروا وخرجوا يدا واحدة إلى الشّام ، فصار إلى القصر ، وخلع عليه خلع الوزارة ، فباشر الأمور ، وضبط الأحوال ، وأكرم الأمراء ، وأحسن إلى الأجناد . وازدادت مخالطة ولده للخليفة ، فخاف أن يقتله ما قتل ابن السّلار ، فما زال به حتى قتل الخليفة الظّافر كما تقدّم ذكره « 1 » ، وصار إلى القصر على العادة . فلمّا جلس في « مقطع الوزارة » « 2 » سأل الاجتماع بالخليفة «
( a
» ، فدخل الزّمام إلى دور الحرم فلم يجد الخليفة ، فلمّا عاد إليه أحضر أخوي الظّافر واتّهمهما بقتله وقتلهما قدّامه ، واستدعى بولد الظّافر عيسى ولقّبه بالفائز بنصر اللّه ؛ فكثرت «
( b
» النّياحة على الظّافر ، وبحث أهل القصر على كيفية قتله ، فكتبوا إلى طلائع ابن رزّيك - وهو والي الأشمونين - يستدعونه فحشد وسار . فاضطرب عبّاس ، وكثرت مناكدة أهل القاهرة له ، حتى إنّه مرّ يوما فرمي من طاق «
( c
» يشرف على شارع بقدر مملوءة طعاما حارّا ، فعوّل على الفرار ، وخرج ومعه ابنه وأسامة بن منقذ وجميع ما لهم من أتباع ومال وسلاح . ودخل طلائع إلى القاهرة ، واستقرّ في وزارة الخليفة الفائز ، فسيّر أهل القصر إلى الفرنج البريد بطلب عبّاس ، فخرجوا إليه . وكانت بينهم وبينه وقعة فرّ فيها عنه «
( d
» أسامة بجماعة إلى الشّام ،
هامش
( aبولاق : على الخليفة .( bبولاق : وكثرت .( cبولاق : طاقة .( dساقطة من بولاق . ( 1 ) فيما تقدم 85 - 86 . ( 2 ) انظر عن مقطع الوزارة ، فيما تقدم 2 : 290 ه 4 .