المسرّة «
a
» وغياضها ، تلفّت إلى من سلّمته يد الأقدار إلى أرض ليست بذات قرار ، وبدّلوا بجنّتهم ذات البان المتقاوح «
b
» ، والورق المتصادح ، والنّشر المتقادح ، والماء المطلق المسلسل ، والنّسيم الصّحيح العليل جنّتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ، وتقصّدتهم يد القضاء فأخذتهم بالبأساء والضّرّاء ، وأوقعتهم بمصر وسمومها «
c
» ، وحميمها وغمومها ، وحزومها وغرورها «
d
» ، وحرورها وزفيرها ، وسعيرها وكيمانها ، ونيرانها وسودانها ، وفلّاحيها وملّاحيها ، ومساربها ومشاربها ، ومسالكها ومهالكها ، وصحناتها وعصفورها وبوريّها وممقورها «
e
» ، ومخاوف نوروزها وحرارة تمّوزها ، ودارس طلولها ، ورائس أسطولها ، وتعكّر مائها ، وتكدّر هوائها ؛ فلو تراهم في أرجائها القصوى كالأباعر الهمل ، وهم يصطرخون فيها
رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
[ الآية 37 سورة فاطر ] .
فأجابه من دمشق بكتاب من جملته على لسان دمشق كأنّها تخاطبه :
« ويا أيّها الولد العزيز ، كيف سمحت فطرتك السّليمة ، ومروءتك الكريمة ، وسيرتك المستقيمة ، وصبرك المحافظ ، ودينك المراقب الملاحظ ، بذمّ من جنيت نعمها ، وسكنت حرمها ، وقلت مصر وسمومها «
c
» ، وسقت عليها القول من كلّ جانب ، واستعرت لها التّكدير حتّى في المشارب والمسارب .
وهلّا ذكرتها وقد باكرها نيل نيل النّعيم بمعنيه «
f
» بليل / النّسيم بكأس تسنيمه «
g
» ، وطما البحر عليها زاخرا فأغناها عن بكاء السّحاب وتجهيمه ، وعمّ معظم أرضها ، وعبّ عبابه في طولها وعرضها ، حتى كاد يعلو رفيع قصورها ، وتتسوّر سورته «
h
» شامخ سورها . ومع ذا لا تراه جسورا على ضعاف جسورها ، قد طبق التّهائم والأنجاد ، وغرّق الآكام والوهاد ، وعلا أعلى الصّعيد والصّعاد ،
هامش
(a) بولاق : المسرات .
(b) بولاق : المتفاوح .
(c) بولاق : وشموسها .
(d) بولاق : حزونها ووعورها .
(e) بولاق : عقورها .
(f) بولاق : بمغيثه .
(g) بولاق : من تسنيمه .
(h) بولاق : ويتسور بسورته .