وقد كان خبر أطفين والغلام بلغ الملك ، وكان نهراوش عاود العكوف على اللّهو والاحتجاب عن النّاس .
واتّصل خبر زليخا ويوسف بنساء الخاصّة ، فعيّرنها بذلك ، فدعت جماعة منهن ، وصنعت لهنّ طعاما وشرابا ، وعملت مجلسين مذهّبين ، وفرشتهما بديباج أصفر مذهّب ، وأرخت عليهما ستور الدّيباج ، وأمرت المواشط بتزيين يوسف وإخراجه من المجلس الذي يحاذي المجلس الذي كانت مع النّسوة فيه ، وكان المجلس محاذيا للشّمس .
فأخذته المواشط ، ونظمن شعره بأصناف الجواهر ، وألبسنه ثوب ديباج أصفر قد نسج بدارات حمر مذهّبة فيها أطيار صغار خضر ، مبطّن ببطانة خضراء ، ومن تحته غلالة حمراء ، وعلى رأسه تاج قد نظم بالدّرّ والجوهر ، وأخرجن من تحت التّاج أطراف شعره على جبهته ، ورددن ذوائبه على صدره ، وجعلن جبهته مكشوفة والتّاج محيط بها ، وفي أذنية قرطي جوهر ، ومن خلف طوق القباء شعر مسبل بين كتفيه منظوم مشبّك بالذّهب والجوهر ، وفي عنقه طوق منظوم بذهب ، مشدّد بجوهر أحمر ودرّ فاخر ، وفي وسطه منطقة ذهب ، فيها كواكب «
( a
» جوهر ملوّن ، ولها معاليق منظومة ، وألبسنه خفّين أبيضين منقوشين بأخضر على نقوش ذهب ، وجعلن للقباء الذي عليه وشاحين على كتفيه «
( b
» وفراوز يحيط بأسفله ، وكمّيه من جوهر أخضر ، وعقربن صدغيه على خدّيه ، وكحّلن عينيه ، ودفعن إليه مذبّة شعرها أخضر .
فلمّا فرغ النّساء من طعامهن ، وشربن أقداحا ، قدّمت إليهن سكاكين نصلهنّ «
( c
» من جوهر ليقطعن بها الفاكهة . فيقال إنّهن أخذن أترجا وهن يقطّعنه ، إذ قالت لهن : قد بلغني حديثكنّ في أمري مع عبدي ؛ فقلن لها : الأمر كما بلغك ، لأنّك أعلى قدرا من هذا ، ومثلك يرتفع عن أولاد الملوك لحسنك وشرفك ، فكيف ترضين بغلامك ؟ فقالت : لم يبلغكن الصّدق ، ولا هو عندي بهذا ؛ وأومأت إلى المواشط أن يخرجن يوسف ، فرفعن السّتور عن المجلس الذي يحاذي مجلسها ، وبرز منه يوسف محاذيا بوجهه الشّمس ، فأشرق المجلس وما فيه من وجه يوسف ، وأقبل بالمذبّة - وهن يرمقنه - فوقف على رأس زليخا يذبّ عنها . فاشتغل النّساء برؤيته ، وجعلن يقطّعن أيديهنّ موضع الفاكهة التي كانت معهنّ ، ولا يعين الكلام ذهولا منهن بما رأين من حسن يوسف ؛ فقالت لهنّ زليخا : ما لكنّ قد اشتغلتنّ عن خطابي بالنّظر إلى عبدي ؟ فقلن : معاذ اللّه !
هامش
( aبولاق : لوالب .( bساقطة من بولاق .( cبولاق : مفبضهن .