تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧
ومرّ على البحر المظلم ، فغشيهم منه غمام ، فترجّع شمالا حتى انتهى إلى تمثال من حجر أحمر يومئ بيده : ارجعوا ، وعلى صدره مزبور : « ما ورائي أحد » . فسار إلى مدينة النّحاس فلم يصل إليها ، ومضى إلى الوادي المظلم ، وكانوا «
( a
» يسمعون منه جلبة عظيمة ، ولا يرون أحدا لشدّة ظلمته . وسار إلى وادي الرّمل ، فرأى على معبره أصناما عليها أسماء الملوك ، فأقام عليه صنما زبر عليه اسمه ، فلمّا أثبت الرّمل جاز عليه إلى الخراب المتّصل بالبحر الأسود ، فرأى سباعا يزأر بعضها على بعض ، فحكم أنّه لا مذهب له من ورائها . فرجع وعدّى وادي الرّمل ، ومرّ بأرض العقارب ، فهلك بعض أصحابه ، ودفعوا عن أنفسهم أذاها بالرّقى ، وجازها إلى مدينة الحكماء - وتعرف بمدينة الكند - ففرّوا منه إلى جبل ، فأقام عليه أياما حتى كاد يهلك جيشه عطشا ؛ فنزل إليه من الجبل رجل من أفاضل الحكماء ، وقد لبس شعره جسده ، فقال للملك : أين تريد أيها المغرور الممدود له في الأجل ، المرزوق فوق الكفاية ؟ أتعبت نفسك وجيشك ، ألا اجتزأت بما تملكه ، واتّكلت على خالقك ، وربحت الرّاحة ، وتركت العناء والغرر بهذا الخلق ؟ فعجب من قوله ، وسأله عن الماء فدّله عليه . وسأله عن موضعهم ، فقال : موضع لا يصل إليه أحد ، ولا بلغه قبلك أحد ؛ فقال : ما عيشك ؟ قال : من أصول النّبات نقنع به ، ويكفينا اليسير . قال : فمن أين تشربون ؟ قال : من الأمطار والثّلوج . قال : فلم هربتم منّا ؟ قال : زهادة في مخالطتكم ، وإلّا فليس لنا ما نخافكم عليه ؛ قال : فكيف بكم إذا حميت الشّمس ؟ قال : نأوي إلى غيران تحت هذا الجبل ؛ قال : فهل لكم في مال أخلّفه لكم ؟ قال : إنّما يريد المال أهل التّرف ، ونحن لا نستعمل منه شيئا ، استغنينا عنه بما قد اكتفينا به ، وعندنا منه ما لو رأيته لاحتقرت ما عندك ؛ قال : فأرنيه ، فانطلق بنفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبلهم فيها قضبان ذهب ناتئة ، وأراهم واديا لهم في حافتيه حجارة زبرجد وفيروز . فأمر نهراوش أصحابه أن يحملوا من كبار تلك الحجارة ، ففعلوا . ورأى الحكيم جماعة الملك يصلّون إلى صنم يحملونه معهم ، فسأل الملك ألّا يقيم بأرضهم ، وخوّفه من عبادة الأصنام ؛ فودّعه وسار ، فلم يمرّ بأمّة إلّا أثّر فيها ، حتى بلغ النّوبة فصالحهم على مال ، وأقام على دنقلة صنما وزبر عيه اسمه ومسيره . وسار يريد مدينة منف ، فكان أهل كلّ
هامش
( aبولاق : فكانوا .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 657 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد