وحديدهم ، ونزلوا تجاه الملك الكامل كما تقدّم . فقدمت النّجدات يقدمها الملك الأشرف موسى ابن العادل ، وعلى ساقتها الملك المعظّم عيسى ، فتلقّاهم الملك الكامل ، وأنزلهم عنده بالمنصورة في ثالث عشري جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة .
وتتابع مجيء الملوك ، حتى بلغت عدّة فرسان المسلمين نحو أربعين ألف فارس ، فحاربوا الفرنج في البرّ والبحر ، وأخذوا منهم ستّ شواني وجلّاسة « 1 » وبطسة ، وأسروا من الفرنج ألفين ومائتين ، ثم ظفر المسلمون بثلاث قطائع أخر ، فتضعضع الفرنج لذلك وضاق بهم المقام ، فبعثوا يطلبون الصّلح .
فقدم عند مجيء رسلهم أهل الإسكندرية في ثمانية آلاف مقاتل . وكان الذي طلب الفرنج القدس وعسقلان وطبريّة وجبلة واللّاذقيّة ، وسائر ما فتحه السّلطان صلاح الدين يوسف من السّاحل ، ليرحلوا عن ديار مصر .
فبذل المسلمون لهم سائر ما ذكر من البلاد خلا مدينة الكرك والشّوبك ، فامتنع الفرنج من الصّلح وقالوا : لابد من أخذهم الكرك والشّوبك ، ومبلغ ثلاث مائة ألف دينار ، عوضا عما خرّبه الملك المعظّم عيسى صاحب دمشق من أسوار القدس .
وكان المعظّم لمّا مات أبوه العادل ، واستولى الفرنج على دمياط ، ونازلوا الملك الكامل قبالة المنصورة ، خاف أن يصل منهم في البحر من يأخذ القدس ويتحصّنوا به ، فأمر بتخريب أسواره - وكانت أسواره وأبراجه في غاية العظمة والمنعة - فأتى الهدم على جميعها ما خلا برج داود ، وانتقل أكثر النّاس من القدس ، ولم يبق به إلّا القليل ، ونقل المعظّم ما كان بالقدس من الأسلحة والآلات .
فامتنع المسلمون من إجابة الفرنج إلى ذلك وقاتلوهم ، وعبر جماعة من المسلمين في بحر المحلّة إلى الأرض التي عليها الفرنج ، وحفروا مكانا عظيما في النّيل - وكان في قوّة الزّيادة - فركب الماء أكثر تلك الأرض وصار حائلا بين الفرنج ومدينة دمياط . وانحصروا ، فلم يبق لهم سوى طريق ضيّقة ، فأمر السّلطان للوقت بنصب الجسور عند أشموم طناح ، فعبرت العساكر عليها ، وملكت الطّريق التي يسلكها الفرنج إلى دمياط إذا أرادوا الوصول إليها . فاضطربوا ، وضاقت عليهم الأرض .
هامش
( 1 ) الجلّاسة . نوع من السفن الحربية الكبيرة تسير بالشراع والمجاديف وهي أثقل وأقوى من الشيني ، كانت شائعة الاستعمال في البحر المتوسط واسمها بالفرنسيةGoleaceأوGoleasse( درويش النخيلي : السفن الإسلامية 27 ) .