ويقال إنّ مسجد التّوبة الذي بالجيزة كان فيه تابوت موسى - عليه السّلام - الذي قذفته أمّه فيه بالنّيل ؛ وبها النّخلة التي أرضعت مريم تحتها عيسى ، فلم يثمر غيرها .
وقال ابن عبد الحكم ، عن يزيد بن أبي حبيب : فاستحبّت همدان ومن والاها الجيزة ، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنهما - يعلمه بما صنع اللّه للمسلمين ، وما فتح عليهم ، وما فعلوا في خططهم ، وما استحبّت همدان من النّزول بالجيزة . فكتب إليه عمر يحمد اللّه على ما كان من ذلك ، ويقول له : كيف رضيت أن تفرّق أصحابك ؟ لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر ، ولا تدري ما يفجأهم ، فلعلّك لا تقدر على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره ؛ فاجمعهم إليك ، فإن أبوا عليك وأعجبهم موضعهم بالجيزة وأحبّوا ما هنالك ، فابن عليهم من فيء المسلمين حصنا .
فعرض عليهم عمرو ذلك فأبوا ، وأعجبهم موضعهم بالجيزة - ومن والاهم على ذلك من رهطهم نافع وغيرها - وأحبّوا ما هنالك . فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن في الجيزة في سنة إحدى وعشرين ، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين .
ويقال إنّ عمرو بن العاص لمّا سأل أهل الجيزة أن ينضمّوا إلى الفسطاط ، قالوا : مقدم قدمناه في سبيل اللّه ، ما كنّا لنرحل منه إلى غيره . فنزلت نافع الجيزة فيها مبرّح بن شهاب ، وهمدان وذو أصبح فيهم أبو شمر بن أبرهة ، وطائفة من الحجر « 1 » .
وقال القضاعيّ : ولمّا رجع عمرو بن العاص من الإسكندرية ، ونزل الفسطاط ، جعل طائفة من جيشه بالجيزة خوفا من عدوّ يغشاهم من تلك الناحية ، فجعل فيها آل ذي أصبح من حمير وهم كثير ونافع بن زيد من رعين ، وجعل فيها همدان ، وجعل فيها طائفة من الأزديين بني الحجر ابن الهبو بن الأزد ، وطائفة من الحبشة ، وديوانهم في الأزد .
فلمّا استقرّ عمرو في الفسطاط ، أمر الذين خلّفهم بالجيزة أن ينضمّوا إليه ، فكرهوا ذلك وقالوا : هذا مقدم قدمناه في سبيل اللّه وأقمنا به ، ما كنّا بالذين نرغب عنه ونحن به منذ أشهر .
فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنهما - بذلك ، يخبره أنّ همدان وآل ذي أصبح ونافعا ومن كان معهم أحبّوا المقام بالجيزة . فكتب إليه : كيف رضيت أن تفرّق عنك أصحابك وتجعل بينك وبينهم بحرا ، لا تدري ما يفجأهم ، فلعلّك لا تقدر على
هامش
( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 128 - 129 .