وعن مالك بن أنس أنّه كان يرى أنّ أرض النّوبة إلى حدّ علوة صلح ، وكان لا يجيز شراء رقيقهم ، وكان أصحابه مثل عبد اللّه بن عبد الحكم وعبد اللّه بن وهب واللّيث بن سعد ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم من فقهاء مصر يرون خلاف ذلك .
قال اللّيث بن سعد : نحن أعرف بأرض النّوبة من الإمام مالك بن أنس ، إنّما صولحوا على ألّا نغزوهم ولا نمنع منهم عدوّا ، فما استرقّه متملّكهم أو غزا بعضهم بعضا فشراؤه جائز ، وما استرّقه بغاة المسلمين وسرّاقهم فغير جائز . وكان عند جماعة منهم جوار نوبيّات لفرشهم .
ولم يزل النّوبة يؤدّون البقط في كلّ سنة ، ويدفع إليهم ما تقدّم ذكره ، إلى أيّام أمير المؤمنين المعتصم باللّه أبي إسحاق بن الرّشيد ، وكبير النّوبة يومئذ زكرياء بن يحنّس . وكانت النّوبة ربّما عجزت عن دفع البقط ، فشنّت الغارة عليهم ولاة المسلمين القريبون من بلادهم ، ويمنع من إخراج الجهاز إليهم ، فأنكر قيرقي ولد كبيرهم زكريّاء على أبيه بذله الطّاعة لغيره ، واستعجزه فيما يدفع ، فقال له أبوه : فما تشاء ؟ قال : عصيانهم ومحاربتهم . قال أبوه : هذا شيء رآه السّلف من آبائنا صوابا ، وأخشى أن يفضي هذا الأمر إليك فتقدم على محاربة المسلمين ، غير أنّي أوجّهك إلى ملكهم رسولا ، فأنت ترى حالنا وحالهم ، فإن رأيت لنا بهم طاقة حاربناهم على خبرة ، وإلّا سألته الإحسان إلينا .
فشخص قيرقى إلى بغداد ، وكانت البلدان تزيّن له ويسير على المدن ، وانحدر بانحداره رئيس البجة بأسبابه ، ولقيا المعتصم فنظرا إلى ما بهرهما من حال العراق في كثرة الجيوش وعظم العمارة مع ما شاهداه في طريقهما . فقرّب المعتصم قيرقي وأدناه ، وأحسن إليه إحسانا تامّا ، وقبل هديّته وكافأه بأضعافها ، وقال له : تمنّ ما شئت ؛ فسأله في إطلاق المحبوسين فأجابه إلى ذلك .
وكبر في عين المعتصم ، ووهب له الدار التي نزلها بالعراق ، وأمر أن يشترى له في كلّ منزل من طريقه دار تكون لرسلهم ، فإنّه امتنع من دخول دار لأحد في طريقه ، فأخذ له بمصر دار بالجيزة ، وأخرى ببني وائل .
وأجرى لهم في ديوان مصر سبع مائة دينار ، وفرسا وسرجا ولجاما ، وسيفا محلّى ، وثوبا مثقلا ، وعمامة من الخزّ ، وقميص شرب ورداء شرب ، وثيابا لرسله غير محدودة عند وصول البقط إلى مصر ، ولهم حملان وخلع على المتولّي لقبض البقط ، وعليهم رسوم معلومة لقابض البقط والمنصرفين معه ، وما يهدى إليهم بعد ذلك فغير محدود ، وهو عندهم هديّة يجازون عليها .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 546
مساهمون: المقريزي
ص٥٤٦