تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
أصحابهم ، ولا تدري الرّوم من هم . فلمّا رأى ذلك عمرو بن العاص وأصحابه ، التجأوا إلى ديماس من حمّاماتهم ، فدخلوا فيه فاحترزوا به . فأمروا روميّا أن يكلّمهم بالعربيّة ، فقال لهم : إنّكم قد صرتم بأيدينا / أسارى ، فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم ، فامتنعوا عليهم . ثم قال لهم : إنّ في أيدي أصحابكم منّا رجالا أسروهم ، ونحن نعطيكم العهود نفادي بكم أصحابنا ولا نقتلكم ، فأبوا عليهم . فلمّا رأى ذلك الرّومي منهم قال لهم : هل لكم إلى خصلة وهي نصف ، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا وأمكنتمونا من أنفسكم ، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلّينا سبيلكم إلى أصحابكم . فرضوا بذلك ، وتعاهدوا عليه ، وعمرو ومسلمة وصاحباهما في الحصن في الدّيماس . فتداعوا إلى البراز ، فبرز رجل من الرّوم - وقد وثقت الرّوم بنجدته وشدّته - وقالوا : يبرز رجل منكم لصاحبنا . فأراد عمرو أن يبرز ، فمنعه مسلمة وقال : ما هذا ؟ تخطئ مرّتين : تشذّ من أصحابك وأنت أمير ، وإنّما قوامهم بك وقلوبهم معلّقة نحوك ، لا يدرون ما أمرك ولا ترضى حتى نبارز وتتعرّض للقتل ، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك ، مكانك وأنا أكفيك إن شاء اللّه تعالى . فقال عمرو : دونك فربّما فرّجها اللّه بك . فبرز مسلمة والرّومي ، فتجاولا ساعة ، ثم أعانه اللّه عليه فقتله ؛ فكرّ مسلمة وأصحابه ، ووفّى لهم الرّوم بما عاهدوهم عليه ، ففتحوا لهم باب الحصن فخرجوا ، ولا يدري الرّوم أنّ أمير القوم فيهم حتى بلغهم بعد ذلك فأسفوا على ذلك ، وأكلوا أيديهم تغيّظا على ما فاتهم . فلمّا خرجوا استحيا عمرو ممّا كان قال لمسلمة حين غضب ، فقال عمرو عند ذلك : استغفر لي ما كنت قلت لك ، فاستغفر له . وقال عمرو : ما أفحشت قطّ إلّا ثلاث مرار : مرّتين في الجاهلية ، وهذه الثالثة . وما منهم مرّة إلّا وقد ندمت ، وما استحييت من واحدة منهن أشدّ ممّا استحييت ممّا قلت لك . وو اللّه إنّي لأرجو ألّا أعود إلى الرابعة ما بقيت « 1 » . قال : وأقام عمرو محاصر الإسكندرية أشهرا . فلمّا بلغ ذلك عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - قال : ما أبطأوا بالفتح إلّا لمّا أحدثوا . وكتب إلى عمرو بن العاص : « أمّا بعد ، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر ، إنّكم تقاتلونهم منذ
هامش
( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 77 - 78 .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 446 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد