تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
أهلها . فتنكّر ودخل في جماعة من خواصّه ليكشف حال أهل مصر ، فلمّا وصل إلى أوّل حدّ مصر حبسه الموكّلون بذلك الحدّ هو ومن معه حتى يأمر الملك فيهم بأمره ، وبعثوا إليه بصفتهم ؛ وكان قد رأى في منامه كأنّه على منار عال ، وكأنّ طائرا عظيما انقضّ عليه ليخطفه فحاد عنه حتى كاد يسقط من المنار ، فجاوزه الطائر وسلم منه ؛ فانتبه مذعورا وقصّ رؤياه على كبير الكهنة ، فقال : يطلبك ملك ولا يقدر عليك . ونظر في نجومه فرأى الملك الذي يطلب ملكه قد دخل إلى مصر ، وكان ذلك هو الوقت الذي قدم عليه فيه الرّسل بصفات الذين وصلوا إلى حدّ مصر ، فأمر بإحضارهم إليه بعد ما يطاف بهم على عجائب مصر كلّها ليروها ؛ فأوثقوهم وساروا بهم ، وأوقفوهم على عجائب أرض مصر وما فيها من الطّلّسمات ، حتى بلغوا إلى الإسكندرية ، ثم إلى أمسوس ، ثم إلى الجنّة التي عملها مصرام - وكان الملك شرياق مقيما بها - فعند ما وصلوا إليها أظهرت السّحرة التّماثيل العجيبة ، فدخلوا عليه وحوله الكهنة وبين يديه نار ، لا يصل إليه أحد حتى يخوضها ، فمن كان بريئا لم تضرّه ، ومن كان يريد بالملك سوءا أو أضمر له مكروها أخذته النار . فشقّ القوم في وسط النّار واحدا بعد واحد من غير أن تضرّهم ، حتى انتهى الأمر إلى ملك العراق ، فعندما دنا من النّار أخذته بحرّها فولّى هاربا ، فاتّبعوه حتى أخذوه وأوقفوه بين يدي شرياق ، فلم يزل به حتى اعترف ، فأمر بصلبه ، فصلب على الحصن الذي أخذ منه ، ونودي عليه : « هذا جزاء من طلب ما لا يصل إليه » ، وعفا عن الباقين فساروا من مصر وتحدّثوا بما رأوه من العجائب ، فانقطع طمع ملوك الأرض عن طلب ملك مصر « 1 » . ومات شرياق بعد ما ملك مصر مائة سنة وثلاث سنين «
( a
» ، فجعل في ناووس ومعه أمواله وطلّسم يحفظه ممّن يقصده . وملك بعده ابنه شهلوق ، فكان عالما بالكهانة والطّلّسمات ، فقسم ماء النّيل موزونا ينصرف إلى كلّ ناحية قسطها ، ورتّب الدولة ، وعمل بيت نار ، وهو أوّل من عبد النّار ، وعمل
هامش
( aبولاق : مائة وثلاثين سنة . ( 1 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 15 - 16 .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 358 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد