ونقراوش هو الذي بنى مدينة أمسوس وعمل بها عجائب كثيرة : منها طائر يصفّر كلّ يوم عند طلوع الشّمس مرّتين وعند غروبها مرّتين ، فيستدلّون بصفيره على ما يكون من الحوادث حتى يتهيّأوا لها . ومنها صنم من حجر أسود في وسط المدينة ، تجاهه صنم مثله ، إذا دخل إلى المدينة سارق لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما ، فإذا دخل بينهما أطبقا عليه فيؤخذ .
وعمل صورة من نحاس على منار عال ، لا يزال عليها سحاب يطلع ، فكلّ من استمطرها أمطرت عليه ما شاء . وعمل على حدّ البلاد أصناما من نحاس مجوّفة ، وملأها كبريتا ، ووكّل بها روحانية النار ، فكانت إذا قصدهم قاصد أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته . وعمل فوق جبل بطرس منارا يفور بالماء ، ويسقي ما حوله من المزارع « 1 » ، ولم تزل هذه الآثار حتى أزالها الطّوفان .
ويقال إنّه هو الذي أصلح مجرى النّيل ، وكان قبله يتفرّق بين الجبلين ، وإنّه وجّه إلى بلاد النّوبة جماعة هندسوه / ، وشقّوا نهرا عظيما منه بنوا عليه المدن وغرسوا الغروس . وأحبّ أن يعرف مخرج النّيل فسار حتى بلغ خلف خطّ الاستواء ، ووقف على البحر الأسود الزّفتي ، ورأى النّيل يجري على البحر مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر ويخرج منه إلى بطائح « 2 » ؛ ويقال إنّه هو الذي عمل التّماثيل التي هناك .
وعاد إلى أمسوس وقسم البلاد بين أولاده : فجعل لابنه الأكبر - واسمه نقارش «
( a
» - الجانب الغربي ، ولابنه شورب الجانب الشّرقي ، وبنى لابنه الأصغر - واسمه مصرايم - مدينة برسان وأسكنه فيها « 3 » .
هامش
( aبولاق : نقاوش والأصل والنويري : نقارش .
دراسة مصادر المقريزي في المقدمة .
ولم تتّفق الكتب على هذه الأسماء بل كل كتاب يخالف الآخر في طريقة رسمها وكتابتها ، خاصّة مع فقد المصدر الأصلي لها وتصحيفات النسّاخ التي تسرّبت إلى النّسخ التي وصلت إلينا ، وقد بذلت جهدا كبيرا في توحيدها مقارنة بكافة المصادر والمواضع التي ورد ذكرها فيها . ( وانظر فيما يلي 1 : 135 ) .
وقد تنبّه إلى ذلك أبو الريحان البيروني حيث يقول :
« ولم يساعد الزمان على تصحيح أسماء الملوك بالسّماع ، فليبالغ في تصحيحها وإصلاحها من عسى وقف عليها طالبا ما طلبته من تسهيل الأمر على المرتاد وإزالة مؤونة الطلب عنه ، ولا ينسخنّها وما في سائر الجداول إلّا من له معرفة بحروف الجمّل وعناية صادقة بتصحيحها فإنها تفسد بنقل الورّاقين إذا تداولوها ولا يمكن إصلاحها إلّا في سنين كثيرة » ( الآثار الباقية 84 ) .
( 1 ) المسعودي : أخبار الزمان 112 - 113 .
( 2 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 2 - 3 ؛ وفيما تقدم 137 .
( 3 ) نفسه 15 : 3 ؛ القلقشندي : صبح 3 : 315 وأضاف :
« ولم أقف على مكانها » .