تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
يعلم به أهل مصر ، فاتّهمه الناس بقتل أتريب وحاربوه تسع سنين . فلمّا مضى من حربهم خمس سنين مضى بهم حتى أوقفهم على قبر أتريب ، فحفروه فلم يجدوا به شيئا ، وقد نقلته الشّياطين إلى موضع أبي الهول ، ودفنته هناك بجانب قبر أبيه وجدّه بيصر . فازدادوا له تهمة ، وعادوا إلى مدينة منف وتحاربوا ، فأتاهم إبليس فدلّهم على قبر أتريب حيث نقله ، فأخرجوه من قبره ووضعوه على سرير ، فتكلّم لهم الشّيطان على لسانه حتى افتتنوا به وسجدوا له ، وعبدوه فيما عبدوا من الأصنام . وقتلوا صا ودفنوه على شاطئ النّيل ، فكان النّيل إذا زاد لا يعلو قبره فافتتن به طائفة وقالوا : قد قتل صا ظلما ، وصاروا يسجدون لقبره كما يسجد أولئك لأتريب . فعمد آخرون إلى حجر فنحتوه على صورة أشموم ، وكان يقال له أبو الهول ، ونصبوه بين الهرمين وجعلوا يسجدون له ، فصار أهل مصر ثلاث فرق . ولم تزل الصّابئة تعظّم أبا الهول ، وتقرّب له الدّيكة البيض ، وتبخّره بالصّندروس .

ذكر الجبال « 1 »

اعلم أنّ أرض مصر بأسرها محصورة بين جبلين آخذين من الجنوب إلى الشّمال ، قليلي الارتفاع ، وأحدهما أعظم من الآخر ، والأعظم منهما هو الجبل الشّرقيّ المعروف بجبل لوقا ، والغربيّ جبل صغير وبعضه غير متّصل ببعض ، والمسافة بينهما تضيق في بعض المواضع وتتّسع في بعضها ، وأوسع ما يكون بأسفل أرض مصر . وهذان الجبلان أقرعان لا ينبت فيهما نبات ، كما يكون في جبال البلدان الأخر ؛ وعلّة ذلك أنّهما بورقيان مالحان ، لأنّ قوّة طين مصر تجذب منهما الرّطوبات الموافقة في التكوين ، ولأنّ قوّة الحرارة تحلّل منهما الجوهر اللّطيف العذب ، وكذلك مياه الآبار منهما مالحة . وهذان الجبلان يجفّفان ما يدفن فيهما ، فإنّ أرض مصر بالطّبع قليلة الأمطار . وجبل لوقا في مشرق أرض مصر يعوق عنها ريح الصّبا ، فعدمت مصر هذا الرّيح ، ويعوق أيضا إشراق الشّمس على أرض مصر إذا كانت على الأفق .
هامش
( 1 ) انظر كذلك القلقشندي : صبح الأعشى 3 : 305 - 307 .