تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
العرض إلّا وأعطاه السّلطان مثالا بإقطاع رديء . فلمّا علموا ذلك أمسكوا عن الكلام معه جملة . وانفرد بالاستبداد بأموره دونهم ، فما عرف منه أنّه قدم إليه أحد إلّا وسأله : إن كان مملوكا عمّن أقدمه من التّجّار وسائر ما تقدّم ، وإن كان شيخا فعن أصله وسنّه وكم مصافّ حضرها ، حتى أتى على الجميع . وأفرد المشايخ العاجزين فلم يعطهم إقطاعات ، وجعل لكلّ منهم مرتّبا يقوم به ، فانتهى العرض في طول المحرّم ، وتوفّر كثير من مثالات الأجناد فبلغ عدّة مائتي مثال . ثم أخذ في عرض أطباق المماليك السّلطانية ، ووفّر من جوامكهم كثيرا ، وقطع عدّة رواتب من رواتبهم ، وعوّضهم عن ذلك إقطاعات ، وجعل جهة مكس قطيا « 1 » لضعفاء الأجناد ممّن قطع خبزه ، فجعل لكلّ منهم في السّنة ثلاث آلاف درهم . وكان لبيبرس وسلار الجوكندار تعلّقات كثيرة في بيت المال ، وفي الأعمال كالجيزة والإسكندرية ، من متجر وحمايات ، فارتجع ذلك وأبطله وما شابهه ، وأضاف ما لم يقطعه إلى ديوان الخاصّ . وممّا أمر به في مدّة العرض ألّا يردّ أحد مثالا أخذه من السّلطان ولو استقلّه ، ولا يشفّع أمير في جندي ، وأن من خالف ذلك ضرب وحبس ونفي وقطع خبزه ، فعظمت مهابة السّلطان وقويت حرمته ، ولم يجسر أحد أن يرد عليه مثالا أخذ من السّلطان ، ولا استطاع أمير أن يتكلّم لأحد . وصار كثير ممّن كان إقطاعه مثلا ألف دينار إلى إقطاع مائتي دينار ونحوها ، وكثير ممّن كان إقطاعه قليلا إلى إقطاع معتبر ، فإنّه كان يعطي المثال / من غير تأمّل كيفما وقعت يده عليه . وقدّر اللّه سبحانه وتعالى أنّ السّلطان كان من جملة صبيان مطبخه رجل مضحك يهزل بحضرته ، فيضحك منه ويعجب به ولا يعترض فيما يقول من السّخف . فجلس السّلطان في بعض أيّام العرض في البستان بقلعة الجبل وعنده الخاصّة من الأمراء ، فدخل هذا المضحك وأخذ في السّخريّة على عادته ليضحك السّلطان ، إلى أن قال : وجدت بعض أجناد الرّوك النّاصري وهو راكب الإكديش وخرجه خلفه ورمحه فوق كتفه ، يقصد بهذا السّخرية والطّنز «
( a
» ؛ فغضب السّلطان غضبا شديدا ، وصاح : خذوه وعرّوه ثيابه ؛ فتبادره الأعوان ، وجرّوه برجله ونزعوا
هامش
( aبولاق : الطعن . ( 1 ) انظر حول مدينة قطيا والمكس المحصل بها مقال عادل عبد الحافظ حمزة : « قطية جمرك مصر الشرقي في العصور الوسطى » ، المجلة التاريخية المصرية 37 ( 1990 ) ، 45 - 70 .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 243 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد