تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
في عدّة جهات ، فصار بعض الجبي في الصّعيد ، وبعضه في الشّرقيّة ، وبعضه في الغربيّة ، إتعابا للجندي وتكثيرا للكلفة . وأفردوا جوالي الذّمّة من الخاصّ ، وفرّقوها في البلاد التي أقطعت للأمراء والأجناد ، فإنّ النّصارى كانوا مجتمعين في ديوان واحد - كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى - فصار نصارى كلّ بلد يدفعون جاليتهم إلى مقطع تلك الضّيعة . فاتّسع مجال النّصارى ، وصاروا يتنقّلون في القرى ولا يدفعون من جزيتهم إلّا ما يريدون ، فقلّ متحصّل هذه بعد كثرته ، وأفردوا ما بقي من جهات المكوس برسم الحوائجخاناه التي تصرف للسّماط ، ليتناولوا ذلك ويوردوا منه ما شاءوا ، ثم يتولّوا صرف ما يحصّل منه في جهات تستهلك بالأكل . وصارت جهات المكوس ممّا يتحدّث فيه الوزير وشادّ الدّواوين . ثم نظر السّلطان فيما كان بيد الأميرين بيبرس الجاشنكيز وسلار نائب السّلطنة من البلاد ، فأخذ ما كان باسم كلّ منهما وباسم حواشيه ، ولم يدع من ذلك شيئا ممّا كانوا قد وقفوه حتى حلّه ، وجعل الجميع إقطاعات ، واعتدّ في سائر الإقطاعات بما كان يستهديه المقطع من فلّاحه ، فحسب ذلك وأقامه من جملة عبر الإقطاع ، وأبطل الهديّة ، فلم يتهيّأ له الفراغ من ذلك إلى آخر السّنة . فلمّا أهلّ المحرّم من سنة ستّ عشرة وسبع مائة ، وقد نظمت الحسبانات على ثلث مغلّ سنة خمس عشرة ، جلس السّلطان في الإيوان الذي استجدّه بقلعة الجبل « 1 » ، وقد تقدّم لسائر نقباء الأجناد على لسان نقيب الجيش بالحضور بأجنادهم ، وجعل للعرض في كلّ يوم أميرين من الأمراء المقدّمين بمضافيهما . فكان الأمير مقدّم الألف يقف ومعه مضافوه ، وناظر الجيش يستدعيهم من تقدمة ذلك الأمير بأسمائهم على قدر منازلهم ، فيقدّم نقيب الجيش الواحد من يد نقيبه إلى ما بين يديّ السّلطان ، فإذا مثل بحضرته سأله السّلطان بنفسه من غير واسطة عن اسمه وأصله وجنسه ووقت حضوره إلى ديار مصر ، ومع من قدم ، وإلى من صار من الأمراء وغيرهم ، وعن مشاهده التي حضرها في الغزو ، وعمّا يعرفه من صناعة الحرب وغير ذلك من الاستقصاء . فإذا انتهى استفهامه إيّاه ناوله بيده مثالا من غير تأمّل بحسب ما قسم اللّه له ، فلم يمرّ به في مدّة العرض أحد إلّا وقد عرفه ، وأشار إلى الأمراء بذكر شيء من خبره . هذا ، وقد تقدّم إلى سائر الأمراء بأسرهم بأن يحضروا إلى الإيوان عند العرض ، ولا يعارض أحد منهم السّلطان في شيء يفعله ، فكانوا يحضرون وهم سكوت لا يتكلّم أحد منهم خوفا من مخالفة السّلطان لما يقوله . وأخذ السّلطان في مواربة الأمراء ، فما أثنوا على أحد في مجلس
هامش
( 1 ) فيما يلي 2 : 206 - 207 .