تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وقال ابن رضوان : والنّيل يمرّ بأمم كثيرة من السّودان ، ثم يصير إلى أرض مصر وقد غسل ما في بلاد السّودان من العفونات والأوساخ ، ويشقّ مارّا بوسط أرض مصر من الجنوب إلى الشّمال ، إلى أن يصبّ في بحر الرّوم . ومبدأ زيادة هذا النهر «
( a
» في فصل الصّيف ، وتنتهي زيادته في فصل الخريف ويرتقي في الجو منه في أوقات مدّه رطوبات كثيرة بالتحلّل الخفيّ ، فيرطّب ذلك يبس الصّيف والخريف . وإذا مدّ النهر فاض على أرض مصر فغسل ما فيها من الأوساخ - نحو جيف الحيوانات وأزبالها ، وفضول الآجام والنّبات ومياه النّقائع «
( b
» - وأحدر جميع ذلك معه ، وخالطه من تراب هذه الأرض وطينها مقدار كثير من أجل سخافتها ، وباض فيه من السّمك الذي تربّى فيه وفي مياه النّقائع . ومن قبل ذلك تراه في أوّل مدّه يخضرّ لونه بكثرة ما يخالطه من مياه النقائع العفنة التي قد اجتمع فيها العرمض والطّحلب ، واخضرّ لونها من عفنها ، ثم يتعكّر حتى يصير آخر أمره مثل الحمأة ، وإذا صفا اجتمع منه في الإناء طين كثير ورطوبة لزجة لها سهوكة ورائحة منكرة ، وهذا من أوكد الأشياء في ظهور رداءة هذا الماء وعفنه . وقد بيّن أبقراط وجالينوس أنّ أسرع المياه إلى العفن ما لطّفته الشّمس بمياه الأمطار . ومن شأن هذا الماء أن يصل إلى أرض مصر وهو في الغاية من اللّطافة من شدّة حرارة بلاد السّودان ، فإذا اختلط به عفونات أرض مصر زاد ذلك في استحالته ، ولذلك يتولّد فيه من أنواع السّمك شيء كثير جدّا ، فإنّ فضول الحيوانات والنّبات وعفونة هذا الماء وبيض السّمك يصير جميعها مواد في تكوّن هذه الأسماك كما قال أرسطاطاليس في كتاب « الحيوان » . وذلك شيء ظاهر للحسّ ، فإنّ كلّ شيء يتعفّن يتولّد من عفونته الحيوان ، ولهذا صار ما يتولّد من الدّود والفأر والثّعابين والعقارب والزّنابير والذّباب وغيرها بأرض مصر كثيرا . فقد استبان أنّ المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة / والرّطوبة الفضليّة ، وأنّها ذات أجزاء كثيرة ، وأنّ هواءها وماءها رديئان « 1 » .
هامش
( aبولاق : زيادته .( bالأصل وبولاق : النقاع والتصويب من ابن رضوان . ( 1 ) ابن رضوان : دفع مضار الأبدان 114 - 116 .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 171 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد