تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
فأوّله أنّ ماء النّيل عين تمرّ على أراضي حرّة ، ولا يغلب على تربة ما يمرّ به شيء من الأحوال والكيفيات الرديّة ، كمعادن النّفط والشّبّ والأملاح والكباريت ونحوها ، بل يمرّ على الأراضي التي تنبت الذّهب ، بدليل ما يظهر في الشّطوط من قراضات الذّهب . وقد عانى جماعة تصويل الذّهب من الرّمل المأخوذ من شطوط النّيل ، فربحوا منه مالا . وفضيلة كون الذّهب في الماء لا تنكر . الثّاني : أنّ النّيل في جريانه أبدا مكشوف للشّمس والرّياح . الثّالث : أنّ طينه من طين مسيل من مياه مجتمعة من أمطار تمرّ على أراض حرّة ، ويظهر ذلك من عطريّة روائح الطّين إذا ندّيته بماء . الرّابع : غمورة ماء النّيل وشدّة جريته التي تكاد تقصف العمد إذا اعترضتها ، وتدفع الأثقال العظيمة إذا عارضتها . الخامس : بعد مبدأ خروجه من مصبّه في البحر المالح ، وقد تقدّم / من طول مسافته ما لا نجده في نهر غيره من أنهار المعمور . السّادس : انحداره من علوّ ، فإنّ الجنوب مرتفع عن الشّمال ، لا سيّما إذا صار إلى الجنادل انحطّ من أعلى جبل مرتفع إلى وادي مصر . وذكر ابن قتيبة في كتاب « غريب الحديث » من حديث جرير بن عبد اللّه البجلي ، حين سأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن منزله ببيشة «
( a
» « 1 » ، فذكره إلى أن قال : وماؤنا يميع «
( b
» ، أي يجري من علوّ «
( c
» ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « خير الماء السّنم » أي ما كان ظاهرا على وجه الأرض . والسّنم الماء على وجه الأرض ، وكلّ شيء علا شيئا فقد تسنّمه ، مأخوذ من سنام البعير لعلوّه . وقال بعض المفسّرين في قوله تعالى :
وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ
[ الآية 27 سورة المطففين ] : أي يمزج بما ينزل من علوّ «
( d
» « 2 » . السّابع : أنّه يمرّ من الجنوب إلى الشّمال ، فتستقبله ريح الشّمال الطّيّبة دائما . الثّامن : خفّته في الوزن ، وقد اعتبر ذلك غير مرّة مع غيره من المياه فخفّ عنها في الوزن . التّاسع : عذوبة طعمه ، وحسن أثره في هضم الغذاء ، وإحداره عن المعدة ، بحيث إنّه يحدث بعد شربه جشاء . وهذه صفات ، إن كنت ممّن مارس العلم الطّبيعي وعرف الطّبّ ، فإنّه يعظم عندك قدر ماء النّيل ، وتبيّن لك غزارة نفعه وكثرة محاسنه .
هامش
( aهذه الفقرة وردت في بولاق في غير موضعها بسبب عدم دقة نقل الطيارات التي أضافها المقريزي في مواضعها الصحيحة .( bبولاق : ببلنسية .( cبولاق : يمتنع .( dفي غريب الحديث : أي يسيل من علو . ( 1 ) بيشة قرية باليمن بينها وبين تبالة أربع وعشرون ميلا وهي في وادي يصب سيله من حجاز الطائف ( ياقوت : معجم البلدان 1 : 529 ) . ( 2 ) ابن قتيبة : غريب الحديث 1 : 542 ، 543 .