تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
لقاس بن مرنيوس ، فلم يقدر أحد على إصلاحه ومعرفة علمه ، وبقي على حاله ، وانقطع ما كان يقهرون به الناس ، وبقوا كغيرهم . إلّا أنّ الجمع كثير ، والمال عندهم « 1 » . فلمّا قدم بخت نصّر بيت المقدس ، وظهر على بني إسرائيل وسباهم ، وخرج بهم إلى أرض بابل ، قصد مصر ، وخرّب مدائنها وقراها ، وسبى جميع أهلها ، ولم يترك بها شيئا ، حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن ، يجري نيلها ويذهب لا ينتفع به . ثم ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة ، فعمّروها ، ولم تزل مقهورة من يومئذ « 2 » . وقال بعض الحكماء : رأيت البرابي وأخذت أتأمّلها ، فوجدتها مشتملة «
( a
» على جميع أشكال الفلك . والذي ظهر لي أنّه لم يعملها حكيم واحد ، «
b )
» ولا ملك واحد «
( b
» ، بل تولّى عملها قوم بعد قوم ، حتى تكاملت في دور كامل ، وهو ستة وثلاثون ألف سنة شمسية ؛ لأنّ مثل هذه الأعمال لا تعمل إلّا بالأرصاد ، ولا يتكامل رصد المجموع في أقلّ من هذه المدّة المذكورة . وكانوا يجعلون الكتاب حفرا ونقرا في الصّخور ، ونقشا في الحجارة ، وحلقة مركّبة في البنيان . وربّما كان الكتاب هو الحفر إذا كان متضمّنا لأمر جسيم ، أو عهدا لأمر عظيم ، أو موعظة يرتجى نفعها ، أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره . وقد كتب غير المصريين كذلك كما كتبوا على قبّة غمدان ، وعلى باب القيروان ، وعلى باب سمرقند ، وعلى عمود مأرب ، وعلى ركن المستقرّ ، وعلى الأبلق المفرد ، وعلى باب الرّها . وكانوا يعمدون إلى الأماكن الشّريفة والمواضع المذكورة ، فيضعون الخطّ في أبعد المواضع من الدّثور ، وأمنعها من الدّروس ، وأجدر أن يراها من مرّ بها ، ولا ينسى على طول الدّهر . وقال المسعوديّ : واتّخذت دلوكة بمصر البرابي والصّور ، وأحكمت آلات السّحر ، وجعلت في البرابي صور من يرد من كلّ ناحية ودوابهم إبلا كانت أو خيلا ، وصوّرت فيها من يرد من البحر في المراكب من بحر الغرب والشّام ، وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيّدة البنيان أسرار الطبيعة ، وخواصّ الأحجار والنّباتات والحيوانات ، وجعلت ذلك في أوقات فلكيّة ، واتّصالها بالمؤثّرات العلويّة ؛ فكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز واليمن ، غوّرت تلك الصّور التي
هامش
( aبولاق : مستحكمة .( b - b )ساقطة من بولاق . ( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 27 - 28 . ( 2 ) نفسه 31 - 32 بتصرّف .