تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت لها أربعة أبواب ، كلّ باب منها إلى جهّة القبلة والبحر والغرب والشّرق ، وصوّرت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسّفن والرّجال ، وقالت لهم : قد عملت لكم عملا يهلك به كلّ من أرادكم من كلّ جهة تؤتون منها برّا أو بحرا ، وهذا ما يغنيكم عن الحصن ، ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كلّ جهة ، فإنهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجّالة تحرّكت هذه الصّور من جهتهم التي يأتون / منها ، فما فعلتم بالصّور من شيء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما تفعلون بهم . فلمّا بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صاروا إلى ولاية النّساء ، طمعوا فيهم ، وتوجّهوا إليهم ، فلمّا دنوا من عمل مصر ، تحرّكت تلك الصّور التي في البربا ، فطفقوا لا يهيّجون تلك الصّور بشيء ولا يفعلون بها شيئا ، إلّا أصاب ذلك الجيش الذي كان أقبل إليهم مثله : إن كان خيلا ، فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة في البربا من قطع رءوسها أو سوقها أو فقء عيونها أو بقر بطونها ، أثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم ، وإن كانت سفنا أو رجّالة فمثل ذلك . وكانوا أعلم الناس بالسّحر وأقواهم عليه ، وانتشر ذلك فتناذرهم «
( a
» الناس . وكان نساء أهل مصر حين غرق فرعون وقومه ، ولم يبق إلّا العبيد والأجراء ، لم يصبرن عن الرّجال ، فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه ، وتتزوّج الأخرى أجيرها . وشرطن على الرجال ألّا يفعلوا شيئا إلّا بإذنهن ، فأجابوهنّ في ذلك ، فكان أمر النّساء على الرّجال . قال يزيد بن أبي حبيب : إنّ القبط «
( b
» على ذلك إلى اليوم اتّباعا لمن مضى منهم ، لا يبيع أحد منهم ولا يشتري إلّا قال : أستأمر امرأتي « 1 » ! فملكتهم دلوكة بنت زبّاء عشرين سنة تدبّر أمرهم بمصر ، حتى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم وأشرافهم ، يقال له دركون بن بلوطس ، فملّكوه عليهم . فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربع مائة سنة ، وكلّما انهدم من ذلك البربا الذي صوّر فيه الصّور ، لم يقدر أحد على إصلاحه إلّا تلك العجوز وولدها وولد ولدها ، وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم . فانقطع أهل ذلك البيت ، وانهدم من البربا موضع في زمان
هامش
( aبولاق : فتبادرهم .( bفي الأصل وبولاق : نساء القبط . والمثبت من ابن عبد الحكم . ( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 28 ؛ وفيما يلي 129 .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 102 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد