هذه البلاد أنّ المستنقعات والأنهار يجمد ماؤها بكليته « 1 » ، وإذ كان الصقيع جدّ جاسئ لتحمل ثقل كثير يجتمع كثير من النّاس للتزحلق والتزلّق عليه ، ويتخذون لذلك التروض بغالا من الخشب قد طبقت عليها قطع من الحديد القاطع ، وهذا اللعب في أوّل أمره يظهر أنّه عسير جدا ، وهكذا يصيب الإنسان دائما ، في ابتداء التروض ، عدّة سقطات ، ولكن بعد عدّة أشهر من التدرب والتمرن ، يستطيع الإنسان أن ينزلق فوق الصقيع بسرعة لا يمكن تصورها ، ويستدير إلى كل منحى ، وقد رأيت أشخاصا يخطون اسم سيدة ما بأعقاب نعالهم التزحلقية . وفي فرنسا وإنكلترا وإيرلندا لا يتزحلقون إلّا للمتعة ولكني سمعت أنّ النّساء في هولندا ، يتزحلقن هكذا في الأسواق حاملات حتّى مسافة عشرين ميلا سلال بيض وزبد ثمّ يعدن للتغدّي في دورهن .
إنّ الأربعة والأربعين يوما الّتي أمضيتها في دبلن كانت أجمل أيّام حياتي « 2 » ، فاللورد والليدي « كلارندون » أكثرا من رعايتي والعناية بي ، والدوق « ليسستر » أفضل رجل في المملكة أثقل كاهلي بألطافه . وداره أجمل دار في دبلن ، وعنده جمهرة تماثيل وألواح رسم ثمينة ، وعدّة بنات ساحرات بجمالهن رائعات ، وقد كان لي شرف التعرّف إلى الجنرال « فالنسي » الّذي مع قوامه القصير كان طيب القلب ، وكان يعرف اللغة العبرية والعربية والفارسية ، وقد أكّد لي أنّ بين الهنود والإيرلنديين تجانسا كبيرا .
والسيّدة « فليمينك » لما علمت بأنّي عرفت زوجها في كلكتا رجت منّي أن أزورها في دارها في الحال ، وكان لي منها ألف لطف « 3 » ، وسألتني ذات يوم هل زوجها مبتهج في كلكتا ؟ فقلت لها : « كيف يمكن أن يكون سعيدا وهو بعيد عن صاحبة له لها هذا التحبب وهذه الظرافة ؟ « 4 » » . فخجلت السيّدة فليمينك وقالت لي : إنّك ملّاق . وابنتان من بناتها قد صحبتا أباهنّ إلى الهند ، ولها ثلاث بنات أخر يقمن معها ، وهن جميلات كحور الجنّة العين .
هامش
( 1 ) هذا غير معقول فالطبقة العليا هي الّتي تجمد . ( المترجم ) .
( 2 ) وسنرى ماذا يقول في أيّام لندن عاصمة أحبائه وأوليائه ؟ . ( م ) .
( 3 ) ليس المراد عندهم حقيقة العدد بل كثرة المعدود . ( م ) .
( 4 ) تأمّل أسلوب الرحالة في تملق النّساء وهو ما أشرنا إليه قبلا .