وفي حدود خمسة عشر يوما بعد وصولي سقط كثير من الثلج . فكان ذلك مبهجا لي لأنّي لم أر مثل ذلك من قبل ، فسطوح الدور وأعالي الجدر والأسوار والمزارع والجبال ، أصبحت في غضون عدّة أيّام مبيضة بياضا باهرا ، وكان البرد جدّ قارس وخشيت على صحتي الأذى ، ولكنّي سرعان ما شعرت أنّ المناخ ملائم لي ، فقد كان لي اشتهاء فائق ، وازددت قوّة ، وفعالية كل يوم وإنّي لأتذكر أنّي حين كنت في الهند لم يكن عليّ إلّا قميص واحد من الموصلي من عمل « داكا » وكنت لا أمشي ميلا إلّا تعبت تعبا شديدا ، وفي إيرلندا وإن كنت مرتديا ملابس ثقيلة بحيث يمكن أن تكون حمل حمار « 1 » فقد طفت كثيرا من مواضعها دون أن أحس بأقل نصب وتعب . وفي الهند كنت أنام اعتيادا سبع ساعات أو ثمانيا في اليوم من غير أن أحس براحة أو تبرّد ، ولكنّي في أثناء الشهرين اللّذين سلختهما في إيرلندا كنت لا أنام البتة أكثر من أربع ساعات ليلا ، ولم يكن لي مع ذلك توقان إلى النوم في أثناء النّهار .
إنّ البرد الّذي يعم هذه الجزائر ، جدّ صحيّ ، كما أحسب ، إنّه يورث الجسم والعقل قوّة ونشاطا ، ويجمّل النّساء ويبعث على تمرّن يساعد كثيرا على تقوية المزاج ، وفي أثناء إقامتي في إيرلندا وإنكلترا أصابتني غالبا ، من غير أن ألحظ ، ضربات ، لو كنت في الهند لكانت سببا كافيا في إمراضي عدّة أيّام ، والبرد يمنع الإيرلنديين من البقاء عاطلين ، ثمّ يحدوهم ذلك البقاء على ارتكاب الرذائل ، فالشبان والشابات هم بريئون في سن الخامسة عشرة كبراءة الصبيان والصبايا في الهند في سن الخامسة أو العاشرة ، فكل رغباتهم ورغباتهنّ في اللعب أو الكعك . وهذا الشعب قد هيأت له برودة الجوّ أيضا فضّل ارتداء الملابس الضيّقة جدا الّتي تمنعهم من الاسترسال إلى البلادة والكسل كالهنود الّذين يقضون النّهار غالبا في الراحة ولذّات الشهوات ويقصرون اللّيل على الشؤون والولائم .
إنّي أخشى أن لا يصدق مواطني بما قصصت لهم وعليهم ، فيتفق غالبا في
هامش
( 1 ) سيعيب الرحالة هذا التدثر وهذا الإكثار من الملابس وهذا التشبيه على الأتراك كما سترى فيما يأتي . ( المترجم ) .