يعرفون فوق ذلك التركية والفارسية . والنّاس ما بين القسطنطينية وملطية لا يفهمون إلّا التركيّة ، وما بين ملطية والجنوب فالّذين يسكنون بين ديار بكر وماردين يتكلّمون بالعربية في الغالب وقد وجدت أشخاصا يستطيعون أن يتحدثوا بالفارسية وأمّا بين ماردين وبغداد فيسمع المسافر اللغات الأربع « 1 » .
وما كدت أصل إل ماردين حتّى قمت بالواجب عليّ لعبد اللّه أغا حاكمها وقد دعاني إلى المكث في داره ، وهذا القائد تركيّ ومن أكثر القواد ثقافة ، ومع أنّ السلطان يعرفه حقّ المعرفة ، وله صلة قوية بالوزراء لم تكن وظيفته إلّا قائم مقام لنائب السلطان الّذي ببغداد ، وكان قبلا حاكم البصرة بصفة نائب لسليمان باشا ، وهو متمتع بمودّة النّاس جميعا أغنيائهم وفقرائهم ، وإذ كان يجيد الكلام بالفارسية وذا مزاج فكه قضيت أوقاتا جدّ لطيفة معه ، وقد ألحّ عليّ كثيرا في أن أمكث بداره طول شهر رمضان ولكني شكرت له تفضله ودعوته لأنّي كنت مستعجلا ، كما قلت سالفا ، في مواصلة سفري والابتعاد عن ماردين ، حيث المناخ قارس ، فهذا الحاكم كحاكم ديار بكر أحمد أفندي تفضّل بإصحابي أحد أتباعه ، وأمره أمرا جازما أن يقوم بجميع ما أحبّ ، والطريق إلى الموصل يشتق الصحراء ، ويعدّ خطرا جدا ، ولذلك أمر السلطان في الفرمان عبد اللّه أغا أن يعدّ لي حماية كافية في هذا الجزء من سفري ، ولذلك أشار عليّ هذا السيّد أن انضمّ إلى قافلة كبيرة تسير في وجهة مسيري واستدعى رئيس القافلة وأوصاه بي وصية توجب عليه أن يعني بأمري عناية خاصّة .
أبو طالب في نصيبين
وفي اليوم الثاني عشر من شهر رمضان تركنا ماردين ، وبلغنا نصيبين بعد مسيرة قدرها ثمانية وأربعون ميلا ، وفي مسيرة ذلك النّهار ابتهجت بالتعرف إلى قاضي بغداد الجديد ، وكان مسافرا إلى محلّ وظيفته في « تخت روان » أي محفّة ومعه خمسون فارسا وعشرون جنديا مسلحين ببندقيات بارودية ذات الفتيلة ، فكان ذلك يضفي عليه هيئة عظيمة ، وقد رجا منّي أن
هامش
( 1 ) أراد العربية والتركية والفارسية واللهجة البلدية . ( المترجم ) .