وقد حضرت في الغالب ، بوساطة أصدقاء لي ، جلسات مجلس الشعب ، ولما وجدت نفسي بين هؤلاء الملأ المجتمعين أوّل مرّة أحسست كأنّي أرى سربا من الببغاوات الصغيرة الهندية واقعة على عدّة أشجار من الأنبج « 1 » ، ومتقابلة بعضها بإزاء بعض ، وهي في تنازع واعتراك ، وكان المستر « بيت » والمستر « فوكس » أشد المزعجين المعربدين ، وفي أيّام حكومة المستر بيت كانت جميع أعمال المجلس خدعة ، لأنّه بضمانه الأكثرية لنفسه كان يستطيع أن يتخذ جميع المقاييس الّتي يرتئيها ، ولكن هذا ينبغي أن لا يحملنا على القول بأنّ لا فائدة في المجلس ، فإنّه بالضد من هذا القول يقوم بأعظم الخدمات ، لأنّه ينظم الضرائب والمكوس لكل سنة ويزم الطمع والجشع اللذين يكونان عند الوكلاء الشعبيين ، وفي كل فرصة يجعل الوزراء داخل حدود معقولة مقبولة . وهكذا رأينا أنّ المجلس قد قرر استمرار الوزراء والموظفين العاملين على القيام بوظائفهم المختلفة ، أيّام كان الملك مريضا ، ورأى فريق من النّاس أنّ من الضروري أن يعلن إسناد الحكم الملكي إلى ولي العهد في الحال مع سلطة واسعة ، على حين رأى آخرون أن تعيّن نيابة ملكية مؤلفة من رجال هم أمثل الأماثل وفيهم ولي العهد ، قرر المجلس ذلك لتقديره الحسن لفضائل الملك ، وإمكان شفائه ، إلى أن يصدر الأطباء تقريرا بإمكان شفاء الملك أو عدم إمكانه ، فهذا البت المجلسي كان له الأثر الحسن في تهدئة نفوس الشعب ، وسارت أمور الدولة مسيرتها من قبل ، والأمراء على سمو منزلتهم لم يستعمل أحد منهم فكرته في أثناء النقاش لقضية صعبة كهذه ، بل كان كل منهم بالعكس قد ترك رأيه الخاص واطمأن إلى حكمة المجلس وحصافته .
ويأتي بعد منصب صاحب الخاتم لبيت المال الوزير الّذي تكون شؤون وزارته أهم الشؤون وهو « صاحب سر الدولة » للشؤون الخارجية ، فهو الّذي يرعى الصلات مع الدول الأجنبية . وفي أثناء إقامتي بلندن كانت هذه الوظيفة مسندة إلى اللورد « بلهام » وقد لقيت من سيادته عناية مصادقة ورعاية ، والوزير الثالث في الرتبة هو « صاحب سر الدولة » في شعبة الأمور
هامش
( 1 ) أي أشجار العنبة عند عامّة العراقيين . ( المترجم ) .