تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
قلت : وهذا شعر بديع ، ونظم صنيع ، ونمط عال رفيع ، لا يقدر عليه كل قائل ، ولا يحظى معه معارض بطائل . ألا ترى كيف وصف الخط وافتتحه بقوله : ومعلق ! وانظر هذه التورية ما أتمّها وأحسنها وأقواها وأمكنها . ثمّ أتى في البيت كله باستخدام معنوي إذ قال : في قنّب طورا وطورا في حرير ! وظاهره على مجرى اللغز ، يوهم أنّ شيئا له جسم ، علق بخيط حرير ، أو حبل قنب ، وباطنه يريد الورق . وهو يصنع من هذين ( 258 ) حيث يعهد الشاعر . وهو إذا حمل على كل من المعنيين صح ، وكان تماما موفيا بالمراد . وكذلك قوله في البيت الثاني : ولقد تراه مسلسلا . يجري مجرى قوله : ومعلق . فأما البيت الثالث ، فمعناه أكثر من لفظه ، وتفهمه أكبر من حفظه . فأما كونه جعله يكون معلقا على الجباه ، فهو ما يكتب من التمائم والعوذ ، وما هو من هذا النوع . وأما قوله : وفي البطون وفي الظهور ، فكذا يكتب : تارة في بطون الأوراق ، وتارة في ظهورها . وهو مع كونه أتى فيه بالحقيقة ، لم يعدم فيه رونق المجاز . والبيت الرابع نوع منه آخر . وقوله : وفوق أجنحة الطيور ، هو ما يكتب في صغار البطائق على هوادي الحمام الرسائلي . فانظر إلى محاسن ما أتى به ، وأعجب لإيجازه . عدنا إليه . قال في دود القز : « 1 » [ الطويل ]
وما حيوان عكسه مثل طرده * له جسد سبط وليس له قلب
ضعيف وكم أغنت مجاجة ريقه * فقيرا به أمسى ومربعه خصب
يرى من خشاش الأرض طورا وتارة * من الطير لكن دونه تسبل الحجب
شقيّ لنفع الغير يسجن نفسه * وليس له في السجن أكل ولا شرب
وقال في العود : « 2 » [ السريع ]
هامش
( 1 ) : ديوانه 1223 . ( 2 ) : ديوانه 1224 .