منكورة . وكان لا يمشي إلّا متقلّدا بسيف ، ولا يمسي إلّا مترقّبا لضيف . حمل السيف إلّا أنّه ما أعمله ، والرّمح أنّه ما زاد على أنّه اعتقله . وزعم أنّه من ولد أكثم بن صيفي « 1 » حكيم العرب ، ويكتم من هوى البداوة أيّ أرب . تشبّه بأهل البادية « 2 » في الحاضرة ، وتشبّث بأهداب الأسلاف الغابرة ، وكان متمذهبا للإمام الشافعي رضي الله عنه ، وتفقّه بالريّ على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان « 3 » ، وتكلّم في مسائل الخلاف ، وتقدّم بشمائل آداب أرقّ من السلاف ، وغلب عليه الأدب لتوفيره على مادّته ، واستقامته في جادّته ، فإنّه لم يبق إلّا طالب لإفادته ، وسالب إجادة كلّ محسن لإجادته ، وله رسائل فصيحة بليغة « 4 » إلّا أنّها ما أفرغت في قوالب حسن الصيغة ؛ لأنه نحابها منحى القدماء
هامش
بها أبا الفوارس ، ومنها هذا البيت ، وهو ما يعنينا هنا :كم تبادي وكم تطوّل طرطو * رك ما فيك شعرة من تميمومن المفيد أن نضيف هنا أنّ ابن القطان نفسه هو الذي أطلق عليه هذا اللقب أي ( حيص بيص ) انتقاصا له ، وهو لا يستحقه ( فإنّي ما رأيت أكمل أدبا منه ، ولكن ما زالت الأشراف تهجى وتمدح ) على حدّ قول العماد في الخريدة . تنظر مقدمة الديوان ، 1 / 41 و 42 و 46 .
( 1 ) ينقل المؤلف ما ورد في المصادر المتقدّمة من تشكيك بعض معاصري الشاعر في نسبه ، وانتمائه إلى تميم ، وهو تشكيك لا يقوم أمام الدليل ، وقد ناقش محقّقا الديوان هذا الموضوع وردّا عليه بقوة فلينظر هناك .
المقدمة ، 1 / 36 ، وما بعدها .
( 2 ) ولعلّ هذا التشبّه بأهل البادية هو الذي جرّ عليه ذلك اللقب أي ( حيص بيص ) ، ففي خبر آخر يضاف إلى الخبر الذي أوردناه سابقا عن ابن القطان أنّه رأى الناس في يوم حركة فقال : ما للناس في حيص بيص ؟
فلقّب به ، وغلب عليه هذا اللقب ، ومعلوم أن الحيص والبيص معناهما الشدّة والاختلاط . تنظر خريدة القصر . القسم العراقي . الجزء الأول ، ص 202 ، الهامش الأول .
( 3 ) القاضي الوزان من كبار فقهاء الشافعية ، توفي سنة 525 للهجرة . تنظر طبقات الشافعية ، 7 / 91 . عن مقدمة الديوان ، 1 / 38 . ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنّ شاعرنا أخذ علوما أخرى غير الفقه عن شيوخ آخرين ، فقد أخذ الحديث عن الزنيبي شيخ الحنفية في بغداد ، والأدب عن علي بن زيد الفصيحي ، كما أخذ عنه آخرون علوم العربية . ينظر تفصيل هذا في مقدمة الديوان ، 1 / 37 ، وما بعدها .
( 4 ) لم يصل من هذه الرسائل سوى ما حفظته الكتب التي ترجمت له مثل الخريدة ، ومعجم الأدباء ، وعيون الأنباء ، ويغلب عليها الصنعة اللفظية ، وغلبة الغريب ، والإكثار من الزخارف . تنظر مقدمة الديوان ، 1 / 58 ، وما بعدها .