من بيت خيّم على منازل النجوم فخاره ، وحوّم على مناهل الغيوم مطاره ، كان يدعى بالأمير ، لأنّ أباه كان أميرا « 1 » ، وكان بما يقيت القلوب مميرا ، لا ترد المسامع منه إلّا نميرا ، ولا تجدّ المجامع به إلّا للكواكب سميرا ، ويده في هذه الصناعة لا يماثل صناعها ، ولا يقاس بشيء إلّا وطال عليه في القياس ذراعها . وديوانه كبير الحجم « 2 » ، منير الجوانب كأنّما طلع في آفاقه النجم ، وقد اعتمد فيه الجناس فأكثر منه حتى كدّر صفوه الزلال ، وعسر عفوه حتى كاد يبطل به عمل سحره الحلال « 3 » . ومدح الملوك ، والأمراء ، والوزراء ، وحصّل النعمة والثراء ، وكان جملة فخر وقلّة ثبات لا يدهده له صخر .
حكى ابن خلكان « 4 » أنّ أباه كان من أمراء العرب ، وأنّه من شعراء الشام ، ولد بدمشق ، وتوفي بحلب ، وكان هو وأبوه في تلك الأيام من أهل اللقب ، وله مفاخر باقية على الحقب ، وكان يتردّد إلى البادية أحيانا ، ويتخّذ له ممّا حول الريّان « 5 » أوطانا ، فأتت على أشعاره فصاحة البدو ، ولطف الحضر ، وجاءت فيها مواضع كأنّما خرجت من ألسنة العرب ، ومرّت بنعمان الأراك « 6 » عدو بها الطرب ، وأخذت من أفواه سكان الأجيرع « 7 » فجاءت بضرب من الضرب « 8 » ، ومالت أدواحا ، ولا قست النفوس فجرت فيها أرواحا ، وكان لا يعيا 378 /
هامش
وعلى هذه الطبعة اعتمدنا في توثيق شعره هنا .
( 1 ) تنظر مقدمة الديوان ، 1 / 6 - 7 .
( 2 ) يقع الديوان في جزءين كبيرين كما ذكرنا في طبعة الأستاذ خليل مردم .
( 3 ) يلحظ هذا الأمر من يقرأ الديوان وخصوصا في المرحلة المبكرة من هذا الشعر ، وقد أشار الأستاذ خليل مردم إلى شيء منه في قوله : ( . . . . . وقد كان على فصاحة أسلوبه ، ونصاعة بيانه يعمد إلى الصنعة اللفظية ويذهب في ذلك مذهب أبي تمام ) ، ينظر الديوان ، 1 / 32 ، وهذه وقفة نقدية نافذة تحسب للمؤلف .
( 4 ) ينظر وفيات الأعيان ، 4 / 438 .
( 5 ) الرّيان : جبل في ديار طيء ، واسم واد أيضا ، ينظر الأمكنة ، الزمخشري ، ص 116 .
( 6 ) نعمان الأراك : موضع في البادية يكثر فيه شجر الأراك .
( 7 ) الأجيرع : موضع في البادية . وجاء المؤلف بهذه الأسماء ليبيّن اتصال لغة الشاعر بالبادية ولغتها .
( 8 ) الضرب الأولى الطراز والنوع ، والضرب الثانية العسل .