وأنا ذاكر من شعره ملحا « 1 » ، أجيء بها على منطقة البروج مستفتحا ، تحلّق بجناحي باز مطلّ وتخلّف الصّبا وراءها ذات نفس منقطع وأثر مضمحلّ . حكم تلقّفها ثّم ثقّفها ومعان اخترفها ثمّ لطّفها فيما عرّفها . رقّت مزاجا وراقت كالراح فامتزجت بالأرواح امتزاجا ، بقية أسفار صقلتها صقل العيون ، ونجيّة أفكار شفّت عنها مخيلات الظنون ، ولولا أنّ الأدب كالدرهم والدينار لا يلتذّ به صاحبه إلّا إذا طار لكانت هذه النفائس ممّا يضنّ به فلا تذال ، وتغار عليه يدحوته فما تبذله ولو مثقالا بألف مثقال .
من ذلك قوله : [ السريع ]
أفدي الذي قال وفي كفّه * مثل الذي أشرب من فيه « 2 »
الورد قد أينع في وجنتي * قلت : فمي باللّثم يجنيه
وقوله : [ المنسرح ]
بالله فضّ العقيق عن برد * برق أقاحيه من مدام فمه « 3 »
وامسح غوالي العذار عن قمر * يعضّ بالورد خدّ ملتثمه « 4 »
قل للسقام الذي بناظره * دعه وأشرك حشاي في سقمه
كلّ غرام تخاف فتنته * فبين ألحاظه ومبتسمه
وقوله : [ السريع ]
قد برّح الشوق بمشتاقك * فأوله أحسن أخلاقك « 5 »
هامش
( 1 ) من الغريب أن يغفل المؤلف الإشارة إلى كتاب الوساطة فلا يذكره ، وهو ذائع مشهور ، كما أنّ الثعالبي الذي ينقل عنه ذكره واختار ثلاثة فصول منه .
( 2 ) يتيمة الدهر ، 4 / 10 ، ومعجم الأدباء ، 14 / 16 .
( 3 ) يتيمة الدهر ، 4 / 10 ، وفيها ( يروي ) بدل ( برق ) .
( 4 ) في اليتيمة : ( نقّط ) بدل ( يعضّ ) .
( 5 ) يتيمة الدهر ، 4 / 11 ، ومعجم الأدباء ، 14 / 19 .