تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
هواديها من غباره المجارون . الأدب ذيل على فنون تجمّل بتيجانها ، وتكمّل شانه بما تحمّل من شانها ، وعلوم وزن المعارف بميزانها ، واستودعها من خاطره وأحفظ خزّانها ، وفصّل منها حللا خلع على الناس ما فضل من أردانها ، وفضائل فضّت سحبها فملأ الفجاج بما فاض من غدرانها . البلاغة ما صاغه ، والفصاحة ما أبان إيضاحه ، وأطال غرره وأوضاحه ، وسائر الفنون في ذهنه عجنت طينتها فاختمرت ، وعن نظره أخذت بآفاق السّماء زينتها فأزهرت . إليه يرجع إذا تشعبّت بالأقوال طرقها المبثوثة ، وعليه تجتمع الآراء وكلّ قوّة مفكّرة قد مستها لوثة . وقد أثنى عليه الثعالبي فقال « 1 » : فرد الزمان ، ونادرة الفلك ، وإنسان حدقه العلم ، وقبّة تاج الأدب ، وفارس عسكر الشعر ، ويجمع خطّ ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ، ونظم البحتري ، وينظم عقده الإحسان والإتقان في كلّ ما يتعاطاه ، وله يقول الصاحب : [ الطويل ]
إذا نحن سلّمنا لك العلم كلّه * فدع هذه الألفاظ ننظم شذورها
وقد كان في صباه خلف الخضر « 2 » في قطع الأرض ، وتدويخ البلاد 242 / من العراق / والشام وغيرها ، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار في العلوم علما وفي الكمال عالما انتهى ثناؤه المنصوص ، وتقريظه الذي كأنّه نقش الفصوص .
هامش
بالريّ وجرجان وغيرها ، واستمرّ في منصب القضاء حتى ولّي قضاء القضاة بالريّ . وممّن درس عليه عبد القاهر الجرجاني العلم المشهور فقد ( قرأ عليه ، واغترف من بحره وكان إذا ذكره في كتبه . . . شمخ بأنفه بالانتماء إليه ) كما يقول ياقوت . ترك كتبا منها كتاب فقهي في الوكالة فيه أربعة آلاف مسألة ، وكتاب تهذيب التاريخ ، غير أنّ أشهر كتبه هو ( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) الذي يعدّ عمدة في النقد العربي القديم ، أمّا شعره فهو مبثوت في كتب التراجم والأدب العامة . ينظر عنه معجم الأدباء 4 / 14 ، وما بعدها ، والنثر الفني في القرن الرابع ، زكي مبارك ، 2 / 7 ، وما بعدها مع مصادره ، واليتيمة وسيأتي ذكرها . ( 1 ) تنظر يتيمة الدهر ، 4 / 3 . ( 2 ) إشارة إلى كثرة تجواله .