تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
ولله تلك المواهب المجزلة ، ولله تلك الراحة التي لا تقاس بأنملة ، ولله ذلك البنان الساحر ، ولله ذلك البيان الساخر ، ولله ذلك اللسان المدرب ، وذلك البحر الزاخر ، ولله ذلك الإنسان الذي طال باع عمله وطار ، فأوقد ضرام ذلك الصحو شعاع فهمه ، وطاب جني ثمره وجناب حلمه ، وطاف الأرض صيته ، ونفق كاسد الفضائل باسمه ؛ لقد ألبس المملوك رداء الفخار ، وعرّفه العوم وكان لا يطمع أن يشق بحره الزخار ، ومحى عنه صبغ دجنة تلك الليلة ، وفرج عنه لباس تلك السحب وقد ضم عليه ذيله ، وفرق ذلك النور المعتلج وقد جاراه جفنه ، وأجرى مثله سبله ، وأطلق لسانه من الاعتقال ، وأنطق بيانه فقال ، وحمى له هجير الذكاء فقال ، ووقفه ولولا إيقافه لغبّر على آثاره في وجه من سبق . فكتب هو الجواب : [ الكامل ]
جاء الجواب يزف منه فواضلا * ويرف في روض البيان خمائلا
أغرقت غر السحب حين وصفتها * يا من غدا بحرا يموج فضائلا
لو لم تكن يمناك بحرا زاخرا * ما أرسلت تلك السطور جداولا
ضرب من السّحر الحلال متى تشأ * أخرجته فيعود ضربا داخلا
ما إن جلا راويه بحر بيانه * إلا وزان مشاهدا ومحافلا
فمتى يروم به اللحاق مقصّر * والنجم أقرب من مداه تناولا
أبرزته أفقا فكل قرينة * برج حوى معناه أفقا كاملا
فكأنما تلك الحروف حدائق * أمست معانيها تصيح بلابلا
وكأن ذاك الطرس خد رائق * والسطر فيه غدا عذارا سائلا
مهلا أبا العباس قد أفحمتني * وتركتني بعد التحلي عاطلا
بالله قل لي عندما سطرته * هل كنت تحسب أن تجيب الفاضلا
أقسمت لو جاراك في إنشائه * ما كان ضم على اليراع أناملا