تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
الجمة وقد زخر بحرها ، وأثر في الألباب سحرها ، وهذه الفضائل وكيف تفننت فنونها ، وفتنت عيونها ، وتهدلت بالثمرات أفنانها ، وتزخرفت بالمحاسن جنانها ، وهذه الألمعية وكيف ذهّبت الأصائل ، وهذه اللوذعية وما أبقت مقالا لقائل ، وهذه البراعة التي فاضت وكلّ منها سكران طافح ، وهذه الفصاحة وما غادرت بين الجوانح ، وهذه البلاغة التي سالت بأعناق المطي بها الأباطح « 1 » ، وهذه الحكم البوالغ ، وهذه النعم السوابغ ، وهذه الهمم التي ترقت بتوجهها إلى السماء ، فكشفت غياية عارضها ، وكفت غواية البرق وقد ولع خط مشيبه بخط عارضها ، حتى جلاها وأضحاها ،
وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
« 2 » وجلا صدأ تلك الليلة عن صفيحة ذلك اليوم المشمس ، وبدل بذلك الصحو المطبع من ذلك الغيم المؤنس ، وأترع غدير ذلك النهار خالصا من الرنق ، وضوّع غير ذلك الثرى خاليا من اللثق ، وأطلع شمس ذلك اليوم يوشع جانب مشرقها ، ويوشي بذائب الذهب رداء أفقها . كما قلت : [ السريع ]
كأنما اليوم وقد موهت * مشرقه الشمس ولا جاحد
ثوب من الشرب ولكنه * طرّز منه كمّه الواحد
أستغفر الله ، بل ذلك بشر ذلك البشر ، بل الملك الكريم وصفيحة وجهه المتهلل الوسيم ، لا بل صفيحة « 3 » عمله وصفيحة أمله ، وأنموذج راية الثناء عليه ، وصنويده البيضاء وصنع يديه ؛ فلله تلك اليد المقبلة ، ولله تلك اليد المؤملة ،
هامش
( 1 ) من قول كثير عزّة : [ ديوانه 525 ]أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطيّ الأباطح( 2 ) سورة النازعات : 29 . ( 3 ) كذا في الأصل ، ولعل الصواب : وصحيفة .