تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
وظلل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه ؟ هذا على أنه عرّى الأبنية ، وحلل مما تلف ذمّه سالف الأشتية ، فلقد جاء من البرد بما رض العظام وأنخرها ، ودق فخارات الأجسام وفخرها ، وجمد في الفم الريق ، وعقد اللسان إلا أنه « 1 » لسان المنطيق ، ويبس الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا ، وقيد الأرجل فكانت لا تمشي إلا تتوقع عطبا ، وأتى الزمهرير بجنود ما للقوي بها قبل ، وحمل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصمهم منه من قال :
سَآوِي إِلى جَبَلٍ
« 2 » ، ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى ، واجتحف ما أتى عليه وأول ما بدأ الدمع بالكرى ، فكيف أنت يا سيدي في هذه الأحوال ؟ وكيف أنت في مقاساة هذه الأهوال ؟ وكيف رأيت منها ما شيب بثلجه نواصي الجبال ؟ وجاء من البحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصي ، وخيوط السحاب من حبال ؛ أما نحن فبين أفواج من السحب تزدحم ، وفي رأس جبل لا يعصم فيه من الماء إلا من رحم ؛ وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح ، وهم ودقها الفادح ، وقوس قزحها المتلون ؟ رد الله عليه صوائب سهامه ، وبدّلنا منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه ، وجعل حظ مولانا من لوافحه ما يذكيه دهنه من ضرامه ، ومن سوافحه ما يولده فكره من تؤامه ، وعوضنا وإيّاه منه بالصيف إذا أقبل ، وأراحنا من هذا الشتاء ، ومشى غمامه المتبختر بكمه المسبل . فكتب إلي جوابا : وينهي ورود هذه الرقعة التي هي طراز في حلة الدهر ، والحديقة التي تذكّر بزمن الربيع وما تهديه أيامه من أنواع الزهر ، فوقف منها على الروض الذي تهدلت فروع غصونه بالأثمار ، ونظر منها إلى الأفق الذي كلّ كواكبه شموس
هامش
( 1 ) لعل الصواب : ولو أنّه . . . ( 2 ) سورة هود : 43 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 503 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام