كذلك صحبة المجلس قد تطاولت ، وكلّما ألحّ عليها الصّقال لاح جوهرها ، وكلّما تكررت عليها الفصول فصّلت آياتها وسيرت سورها .
ومن كتاب كتب به إلى القاضي محيي الدين بن الزّكي « 1 » : بعد أن أصدرت هذه الخدمة إلى المجلس - لا عدمت عواطفه وعوارفه ، ولطائفه ومعارفه ، وأمتع اللّه الأمة عموما بفضائله وفواضله ، ونفعهم بحاضره كما نفعهم بسلفه الصّالح وأوائله ، وعادى اللّه عدوّه ، ودلّ سهامه على مقاتله - ورد كتاب منه ، وما بقيت أذكر الإغباب ، فإن سيدنا يقابله بمثله ، ولا العتاب فإنّ سيدنا يساجله بما فيض من سجله ، ولا ألقي عليه من قولي قولا ثقيلا ، ولا أقابل به من قوله قولا جليا جليلا ، فقد شبّ عمرو عن الطوق « 2 » ، وشرف البراق عن السّوق ، وذلك العمرو ما برح محتنكا غير أجنبي ، والطوق للصبي ، وذلك البراق حمى لا يقدّم إلا للنبي ، ومع هذا فلا تقلّص عني هذه الوظيفة ، وأعتقدها من قرب الصّحيفة ، فإنّك تسكن بها قلبا أنت ساكنه ، وتسرّبها وجها أنت على النوى معاينه .
ومنه قوله : يا سيدنا العماد ، صبّحك اللّه بأيمن من فعلك ، ولا أعرف فعلا منه أيمن وأحسن من وجهك ، ولا أعرف وجها منه أحسن ، وأحسن وجه في الورى وجه منعم « 3 » .
هامش
( 1 ) القاضي محي الدين بن الزكي : محمد بن علي بن محمد بن يحيي ، أبو المعالي القرشي ، من بيت القضاء والعلم ؛ شهد فتح القدس مع السلطان صلاح الدين ، وخطب أول جمعة في القدس ارتجالا ؛ عظمت رتبته عند صلاح الدين ، توفي سنة 598 ه . ( وفيات الأعيان 4 / 229 والوافي بالوفيات 4 / 169 وطبقات السبكي 6 / 157 ) . والنص في نهاية الأرب 8 / 12 .
( 2 ) مثل يضرب في تزيين الكبير بزينة الصغير ، وهو لجذيمة الأبرش في عمرو بن عدي . ( جمهرة الأمثال 1 / 547 والمستقصى 2 / 126 ) .
( 3 ) عجز بيت من الطويل ، لم أقف على تمامه .