قالت وقد ولّت حمولهم * والعيس فوق جفوننا تخطو :
كان الشّباب الغضّ يجمعنا * فمضى وشتّت شملنا الوخط
غدر الأحبّة والشّباب معا * فكأنّنا لم نصطحب قطّ
وقوله « 1 » : [ الكامل ]
في القلب من حرّ الفراق شواظ * والدّمع قد شرقت به الألحاظ
ولقد حفظت عهودكم وغدرتم * شتان غدر في الهوى وحفاظ
لله أيّ مواقف رقّت لنا * فيها الرّسائل والقلوب غلاظ
ومري العتاب جفوننا فتناسبت * تلك المدامع فيه والألفاظ
يا دار ما للرّكب حين وقوفنا * ما إن سقاك من الدّموع لماظ
ترك الغرام عقولهم مشدوهة * فظننتهم رقدوا وهم أيقاظ
عهدي بظلّك والشّباب يزينه * أيّام ربعك للحسان عكاظ
فيا للّه ما أسرى هذه البدائع ، وما أسرع تدفّق هذه البداءة ، ويا للّه هذا الشّاعر ، لقد ركب هذه القافية الصعبة فذللها ، وسلك هذه الطريقة الوعرة فسهّلها ؛ ولقد حيّر الأفهام إلى أيّ هذه المعاني تسارع ؟ ولأيّها تفضل ؟ ومن أيّها تعجّب ؟ هذا مع هذا التركيب الشّديد الأسر ، واللفظ الذي اقتاد إلى هذه القافية ، وسلسل نطف هذه الأبيات الصّافية ، وجاء بأبياتها المشيّدة كأنها العافية ، وهذا الذي تتفاوت فيه أقدار القرائح ، ويظهر فيها مبلغ العلم ، ويعلن به باسم قائله ، وينفق سوق منشده ، وأين من يقدر على مثل هذا الكلام ؟ أو يتعاطى مثل هذا المدام ؟ أو يصحّ معه هذا السحر ، وما أظنّه إلّا الحرام ؟ !
هامش
( 1 ) ديوانه 217 - 218 .