تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
فرائد نظامها ؛ فأحطنا بها إحاطة القلائد بالجيد ، والشذرة بالفريد ، ثم اشتدّ الوغى ، فخيلت المعركة سماء غمامها مثار القساطل ، وبروقها بريق المناصل ، ورعودها صرير السّلاح ، ورشاشها صبيب الجراح ؛ واستقبل المعمة من الجنود رجال ، يرون الملاحم ولائم ، والوقائع نقائع ؛ وحطّت الرّماة أيديها في جعاب كخراطيم الفيول ، مملوءة بنبال كأنياب الغول ؛ وظلّت السهام تتهاوى كما تتهاوى لوامع الشّهب ، وتترامى ترامي نوازع السّحب ؛ والطعن يهتك ودائع الصّدور ، ويرد مشارع الغموم والسّرور ؛ ولم تزل الملحمة حتّى استقلّت الشمس إكليلا على الجبل ، ونفّضت ورسا على الأصل ، فافترق الجمعان ، وضرب اللّيل بينهما بجران ، إلى أن صافح الليل صباحه ، ونثر النجم على الغرب وشاحه ، فعادوا إلى أمسهم ، وتداعوا من آثاره القيام إلى رمسهم ، وصارت الأرواح تسقى بأرشية الأرماح ، إلى تولّي عسكر البلد هزيما يقفوه الصّباح ، وهشيما تذروه الرياح ؛ يتقاسمون الهرب جماما ، ولا يردون الماء إلّا لماما ؛ وعسكر السّلطان في آثارهم يرميهم بالصّواعق من ظبي السّيوف البوارق ، ويقذفهم بالشّهب اللّوامع من شبا الرّماح الشوارع ، حتّى صار من سلم منهم إلى الأطراف ضرورة ، إذ كانت جيوب الآفاق عليه مزرورة . وما برح السّلطان يتطلّب ملكهم حتّى حصل في معتقله ، وحصّله في مكمن أجله ، فهدأ من الخوف سره ، وختم بطابع الشقاء عمره ، ثم صعد السّلطان المدينة ، ودخل بيت البدّ وظفر منه ومنها بأموال طالما حفظتها صدور الخزائن مكتومة ، وخنقتها خيوط الأكياس مختومة ، مما أوهت في تعدادها أنامل الحساب ، وأحفت بل أفنت أقلام الكتّاب ، فمن ذهب وفضة ، ما منهما إلّا ما يكاثر الأحجار ، ويستقلّ الأمطار ؛ ومن لآل كأنّما صورت من الشّمس ضياء ، وخلقت لمضاهاة حبّ الغمام عدّا وصفاء ؛ ومن يواقيت كالجمر قبل الخمود ، والخمر بعد الجمود ، ومن زبرجد كأطراف الآس نضاره ، أو ورق الأقحوان غضاره ؛
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 121 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام