تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
فقلت : لا سقى الغيث الله أديبا لا يعرف الغيث ؛ وقلت له : إنّ الغيث هو المطر ، وهو السحاب ، كما أنّ السماء هو المطر وهو السحاب ؛ وقالت الجماعة : قد علمنا أيّ الرجلين أشعر ، وأيّ الخصمين أقدر ، وأيّ البديهتين أسرع ، وأيّ الرويّتين أصنع ؛ فقال أبو بكر : فاسقوني على الظّفر ؛ فقالوا : كفاك ما سقاك . ثم ملنا إلى الترسل ، وقلت : اقترح عليّ غاية ما في طوقك ، ونهاية ما في وسعك ، وآخر ما تبلغه بذرعك ، حتّى أقترح عليك أربعمائة صنف من الترسّل ؛ فإن سرت فيها برجلين ، ولم أطر بجناحين ، بل إن أحسنت القيام بواحد من هذه الأصناف ، ولم تخلف كل الإخلاف ، فلك يد السبق وقصبته ؛ ومثال ذلك أن أقول لك : اكتب كتابا نقرأ منه جوابه ، هل يمكنك أن تكتب ؟ أو أقول لك : اكتب كتابا على المعنى الذي أقترح لك ، وانظم شعرا في المعنى الذي أفترع ، وافرغ منهما فراغا واحدا ؛ هل كنت تمدّ لهذا ساعدا ؟ أو أقول لك : اكتب كتابا في المعنى الذي أقوله وأنصّ عليه ، وأنشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل ولا تغافل ، حتّى إذا كتبت ذلك قرئ من آخره إلى أوله ، وانتظمت معانيه إذا قرئ من أسفله ، هل كنت تفوّق لهذا الغرض سهما ، أو تجيل قدحا ، أو تصيب نجحا ؟ أو قلت لك : اكتب كتابا في المعنى الذي أقترح ، لا يوجد فيه حرف منفصل من واو تتقدّم الكلمة ، أو دال تنفصل عن الكلمة ، بديهة ولا تجمّ فيه قلمك ، هل كنت تفعل ؟ أو قلت لك : اكتب كتابا خاليا من الألف واللّام ، لا تصبّ معانيه على قالب ألفاظه ، ولا تخرجه عن جهة أغراضه ، هل كنت تقف من ذلك موقفا ممدوحا ، أو يبعثك ربّك مقاما محمودا ؟