قلت : ثم قلت : ما معنى قولك : « ذيب غاض ؟ » فقال : هو الذي يأكل الغضا ؛ فقلت : استنوق الجمل « 1 » ، يا أبا بكر ، فانقلبت القوس ركوة ، وصار الذئب جملا يأكل الغضا ؟ فما معنى قولك : « إنّ الغضى في مثل ذاك تغاض » فإنّ الغضى لا أعرفه بمعنى الإغضاء ؟ فقال : لم أقل الغضى فقلت : فما قلت ؟ فأنكر البيت جملة ؛ فقلت : يا ويحك ، ما أغناك عن بيت تهرب منه وهو يتبعك ، وتتبرأ منه وهو يلحق بك ؛ فقل لي : ما معنى « قراض » فلم أسمعه مصدرا من قرضت الشعر ، ولكن هلّا قلت كما قلت ، وسقت الحشو إلى القافية كما سقته ؟ فقال : هذه طريقة لم يسلكها العرب ، فلا أسلكها .
ثم دخل الرّئيس أبو جعفر ، والقاضي أبو بكر الحربي ، والشيخ أبو زكريا الحيريّ ، وطبقة من الأفاضل ، مع عدة من الأرذال ، منهم أبو رشيد ؛ فقلت : ما أحوج هذه الجماعة إلى واحد يصرف عنهم عين الكمال .
وأخذ الرئيس مكانه من الصّدر والدست ، وله في الفضل قدم وقدم ، وفي الأدب همّ وهمم ، وفي العلم قديم وحديث ؛ فتمّ المجلس ، وظهر الحقّ بنظره ، وقال : قد ادّعيت عليه أبيات أنكرها ، فدعوني من البديهة على النّفس ، واكتبوا ما يقولون ، وقولوا على هذا الرّويّ : [ الكامل ]
برز الربيع [ لنا ] برونق مائه * فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالتّرب بين ممسّك ومعنبر * من نوره بل مائه وروائه
فقلت « 2 » : [ الكامل ]
والماء بين مصندل ومكفّر * في حسن كدرته ولون صفائه
هامش
( 1 ) هذه قولة طرفة بن العبد ، وانظر مجمع الأمثال 2 / 93 وفصل المقال 190 والمستقصى 1 / 58 .
( 2 ) القصيدة مع البيتين السابقين في ديوان البديع 30 والرسائل 70 - 72 والصبح المنبي 47 - 148 .
والصواب الفصل بين البيتين والقصيدة كما في أصلنا ومعجم الأدباء 1 / 243 .