تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
رجال أهل المدينة ، عرضا مصونا وجنابا حصينا ، لا ينظر بعين نقيصة ، ولا يرى إلا والمسامع على أصواته حريصة ، فكان لا يرى مسؤولا ، ولا يبرح يداوي بريئا ومتبولا . قال أبو الفرج الأصبهاني : ذكر أن أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التميمي قاضي المدينة لأبي جعفر المنصور ، وكان مقدما لأبي سعيد ، فقال له : يا أبا سعيد ، أنت القائل : « 1 » [ الطويل ]
لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها * ألا ليت هذا لا عليّ ولا ليا
يسائلني صحبي فما أعقل الذي * يقولون من ذكر لليلى اعترانيا
قال : لعمر أبيك إنّي لقائله ، وإني لأدمجه إدماجا من لؤلؤ ، فرد محمد بن عمران شهادته في ذلك المجلس ، وقام أبو سعيد من مجلسه مغضبا وحلف أن لا يشهد عنده [ ص 42 ] أبدا ، فأنكر أهل المدينة ردّ شهادته ، وقالوا لابن عمران : عرّضت حقوقنا للبوار وأموالنا للتّلف ، لأنا كنا نستشهد هذا الرجل لعلمنا ما كنت عليه ، والقضاة من قبلك من الثقة به وتقديمه وتعديله ، فندم ابن عمران على ردّ شهادته ووجّه إليه فسأله حضور مجلسه والشهادة عنده ليمضي شهادته ، فامتنع وذكر أنه لا يقدر على حضور مجلسه ليمين لزمته ، إن حضر حنث « 2 » ، قال : فكان ابن عمران إذا ادعى أحد عنده شهادة أبي سعيد ، صار إلى منزله وإلى مكانه من المسجد حتى يسمع ويسأله عما يشهد به فيخبره ، وكان محمد بن عمران كثير اللحم كبير العجز صغير القدمين دقيق الساقين ، يشتد عليه المشي ، وكان كثيرا ما يقول : لقد أتعبني هذا الصوت « لقد طفت سبعا » وأتعبني « 3 »
هامش
( 1 ) الشعر لأبي سعيد مولى فائد في الأغاني 4 / 325 ، 327 وينسب إلى المجنون . ( 2 ) حنث في يمينه : لم يبربها وأثم . ( 3 ) كذا بالأصل تكررت ( أتعبني ) مرتين .